‫الرئيسية‬ مقالات “هناك قرارات تُكتب في الغرف الباردة… لكنها تغيّر مصائر شعوب كاملة قبل أن تعرفها.”
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

“هناك قرارات تُكتب في الغرف الباردة… لكنها تغيّر مصائر شعوب كاملة قبل أن تعرفها.”

إتجاه البوصلة بقلم/ الجزولي هاشم

“من يملك حق تصنيف الشعوب؟

… حين تتحول السياسة الدولية إلى محكمة للهوية”

في عالم اليوم، لم تعد الحروب تُخاض بالسلاح وحده.

هناك حروب أخرى أكثر هدوءاً… لكنها أكثر عمقاً.

حروب تُخاض بالكلمات.

بالتقارير.

بالتصنيفات.

كلمة واحدة في تقرير سياسي قد تغيّر صورة شعب كامل.

وسطر واحد في قرار دولي قد يحوّل تاريخاً معقداً إلى عنوان مبسط: تصنيف.

لكن السؤال الذي يقف اليوم في قلب النقاش السوداني ليس سؤالاً قانونياً فحسب،

بل سؤال سيادة وهوية:

من يملك حق تصنيف الشعوب؟

ومن يملك أن ينظر إلى تجربة سياسية أو اجتماعية نشأت داخل مجتمع كامل،

ثم يختزلها في توصيف أمني يصدر من خارج حدوده؟

حين تصدر قرارات من دول ذات نفوذ عالمي مثل الولايات المتحدة الأمريكية بشأن قوى أو تيارات مرتبطة بالمشهد السوداني،

فإن الأمر لا يبقى مجرد بند في وثيقة دبلوماسية.

بل يتحول فوراً إلى قضية سياسية مشتعلة داخل بلد يعيش أصلاً واحدة من أكثر مراحله اضطراباً.

في السودان، لم تكن التيارات الإسلامية مجرد تنظيمات انتخابية تظهر وتختفي مع المواسم السياسية.

لقد تشكل حضورها عبر عقود طويلة داخل الجامعات،

والمنتديات الفكرية،

والمؤسسات الاجتماعية،

والنقاش العام حول هوية الدولة والمجتمع.

ولهذا فإن الموقف منها داخل السودان ليس واحداً.

هناك من يرى فيها امتداداً طبيعياً للهوية الدينية والاجتماعية للمجتمع.

وهناك من يحمّلها مسؤولية سياسية عن تجارب الحكم وما صاحبها من أزمات وصراعات.

وبين هذين الموقفين يقف واقع معقد… لا يقبل الاختزال.

فالتاريخ السوداني الحديث لا يمكن فهمه دون قراءة دور هذه التيارات،

كما لا يمكن أيضاً تجاهل الجدل العميق حول نتائج تجربتها السياسية.

إنها قصة متعددة الفصول…

مليئة بالتناقضات…

ولا تختصرها عبارة واحدة في تقرير دولي.

المشكلة أن التصنيفات الدولية غالباً ما تُبنى على منطق أمني بارد،

بينما المجتمعات تُبنى على منطق مختلف تماماً:

تاريخ.

ثقافة.

دين.

وتحولات اجتماعية تراكمت عبر أجيال.

وعندما يحاول المنطق الأمني تفسير الواقع الاجتماعي المعقد…

تظهر الفجوة.

داخل السودان تتحول هذه القرارات بسرعة إلى وقود جديد للاستقطاب السياسي.

فريق يراها دليلاً على صحة روايته.

وفريق آخر يراها تدخلاً في تشكيل المشهد الوطني.

لكن وسط هذا الجدل كله يبرز سؤال أبسط… وأعمق:

ماذا عن المواطن السوداني العادي؟

ذلك الذي فقد بيته بسبب الحرب.

والذي يعيش اليوم بين النزوح والقلق على الغد.

هل ستنهي هذه التصنيفات معاناته اليومية؟

هل ستوقف الحرب؟

هل ستعيد الاستقرار؟

أم أنها مجرد فصل جديد في صراع سياسي طويل؟

الحقيقة التي يصعب تجاهلها أن السودان أكبر من كل التصنيفات.

بلد بهذا التاريخ…

وبهذا التنوع الاجتماعي…

لا يمكن وضعه داخل خانة واحدة في تقرير سياسي.

قد تُكتب القوائم في العواصم الكبرى.

وقد تُصاغ القرارات في الغرف الباردة لمراكز القرار الدولي.

لكن مصير الأمم لا يُكتب هناك.

مصير الأمم يُكتب حين تقرر الشعوب أن تمسك ببوصلة تاريخها بنفسها.

وحين تكتب قصتها بيدها…

السودان أكبر من كل التصنيفات…

ومصيره لا يُكتب في التقارير، بل في يد شعبه، حين يقرر أن يمسك ببوصلة تاريخه، ورؤية مستقبله.

‫شاهد أيضًا‬

شجاعة البرهان في الميدان

‏هبطت مروحية الرئيس الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان اليوم في قرية “شكيري” ب…