“تسريبات السم في زمن الحرب” في زمن الحرب لا تُطلق الرصاصات وحدها… بل تُطلق معها الروايات.
إتجاه البوصلة الجزولي هاشم

فحين تختلط الحقائق بالشائعات، تتحول بعض المنابر الإعلامية من منصات لنقل الخبر إلى مصانع لإنتاج السرديات. وما بثته سكاي نيوز من تسريبات منسوبة للدكتور محمد عثمان يوسف كبر لا يمكن قراءته كخبر عابر، بل كحلقة جديدة في معركة الرواية التي تدور حول السودان.
فالتوقيت هنا ليس بريئاً.
حين تتكثف الأحاديث في واشنطن عن تصنيف الحركة الإسلامية في السودان امتداداً لتنظيم الإخوان كجماعة إرهابية، تظهر فجأة تسجيلات مجهولة المصدر، تحمل اتهامات جاهزة، وتنسج قصة مكتملة الفصول: أن الحركة الإسلامية تدير الدولة من خلف الستار، وأنها تمسك بخيوط الحرب والقرار.
وهنا تتجه البوصلة بوضوح.
القضية ليست تسريباً… بل سردية تُصنع.
فالقرارات الكبرى في السياسة الدولية لا تأتي فجأة، بل تسبقها حملات إعلامية تمهد الطريق. يصبح التسريب أداة، والاتهام عنواناً، والتكرار وسيلة لترسيخ الرواية حتى تبدو وكأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة.
لكن ما تغفله هذه السردية أن الرجل الذي جرى استهدافه، الدكتور/ عثمان محمد يوسف كبر، ظل منذ سقوط نظام الإنقاذ بين الاعتقال والغربة، بعيداً عن مواقع القرار والتنظيم. ومع ذلك جرى تصويره في تلك التسريبات كأنه يدير المشهد من غرفة عمليات خفية، وكأن البلاد تُدار عبر تسجيلات مسربة لا عبر مؤسسات الدولة.
إنها مفارقة تكشف طبيعة الرواية أكثر مما تثبت الاتهام.
كما أن استهداف كبر لا يمكن فصله عن وزنه السياسي والاجتماعي في دارفور، فهو أحد الأصوات الدارفورية ذات التأثير. وإضعاف هذه الأصوات في هذا التوقيت يخدم أكثر من أجندة، سواء في صراع الداخل أو في إعادة تشكيل صورة السودان أمام المجتمع الدولي.
وهنا تشير البوصلة إلى اتجاه آخر.
ففي خضم الحرب التي يخوضها السودان، تحاول بعض المنصات تصوير الصراع على أنه معركة تديرها الحركة الإسلامية من خلف الجيش. ولو قُبلت هذه الرواية دولياً، فإن الحرب ستتحول من حرب دولة ضد تمرد إلى صراع تقوده جماعة مصنفة أيديولوجياً، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام الضغوط والعقوبات والتدخلات.
لكن الحقيقة التي يتغافل عنها مروجو هذه الرواية أن قيادة البلاد اليوم لم تأتِ بقرار تنظيم أو جماعة.
الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لم يأتِ إلى موقعه بقرار من الحركة الإسلامية، ولا بتوصية من حزب أو تيار، بل كان خيار القوات المسلحة السودانية في لحظة تاريخية عصيبة. وهو الخيار الذي وجد سنداً واضحاً من قطاعات واسعة من الشعب السوداني الحر الذي وقف خلف جيشه في معركة الكرامة دفاعاً عن الدولة ووحدة الوطن.
لقد كشفت هذه الحرب عن معدن الرجل.
فالبرهان، بخبرته القتالية الطويلة، وشجاعته في الميدان، وصبره في إدارة الأزمات، وفطنته في قراءة تعقيدات المشهد، استطاع قيادة البلاد في واحدة من أصعب مراحلها. مرحلة صنعتها تمردات المليشيا وجناحها السياسي الذي ما زال يحيك الدسائس ويعمل على إنهاك الدولة أملاً في تركيع الوطن وكسر إرادة شعبه.
لكن السودان أثبت مرة أخرى أن إرادته أقوى من مشاريع الاستلاب.
لقد حاولت تلك المليشيا ومن يقف خلفها فرض واقع جديد يقوم على تفكيك الدولة وإخضاع القرار الوطني، غير أن صمود القوات المسلحة والتفاف الشعب حولها أفشل ذلك المشروع وأعاد تثبيت حقيقة واحدة:
السودان لا يُدار بالمليشيات… ولا يُركع بالضغوط.
وفي قلب هذه المواجهة يقف البرهان، رجلاً صعب المراس، ذا رؤية ثاقبة، وقائداً تشكلت ملامحه في ميادين القتال لا في غرف السياسة الضيقة.
ولهذا فإن محاولة ربط قيادته بتنظيم أو جماعة ليست سوى محاولة لتشويه المشهد وتبسيطه بما يخدم روايات جاهزة.
فالرجل لم تصنعه جماعة…
بل صنعته التجربة العسكرية، والظرف الوطني العصيب، وثقة مؤسسة عريقة مثل القوات المسلحة السودانية.
وفي النهاية ستظل البوصلة تشير إلى الحقيقة التي لا تخطئ الاتجاه:
معركة السودان اليوم ليست فقط في الميدان…
بل في الرواية أيضاً.
ومن يملك الحقيقة…
لا يخشى ضجيج التسريبات.
بنك السودان يرفع سقوف التمويل الأصغر والصغير لدعم الإنتاج والصادرات
أعلن بنك السودان المركزي عن تعديل سقوف التمويل الأصغر والصغير، في خطوة تهدف إلى توسيع مظلة…





