سهر السودانيين.. أزمة “بيولوجية” تهدد الجيرة والانضباط
أجيال النيل د.سهام موسى - مصر

في اليوم العالمي للنوم، الذي يرفعه العالم كشعار للصحة النفسية والجسدية، يبدو أننا في المجتمع السوداني نعيش في “منطقة زمنية” خاصة بنا، بعيدة كل البعد عن عقارب الساعة المنضبطة. فبينما تتسابق مراكز العافية في مدن كدبي لتقديم “جلسات الاسترخاء العميق” و”العلاج بالصوت” كحلول علمية للأرق، لا يزال السهر في الوجدان السوداني علامة على “الأنس” والترابط الاجتماعي، لكنه اليوم تحول إلى أزمة عابرة للحدود تضعنا في مواجهة مباشرة مع مجتمعات أكثر صرامة في نظامها اليومي.
لا يمكن الحديث عن أزمة النوم دون التوقف عند “جيل زيد” (Gen Z) في السودان. هذا الجيل الذي وجد نفسه بين مطرقة الأزمات الأمنية والسياسية، وسندان الفضاء الرقمي المفتوح. تحول السهر بالنسبة لهم إلى “نمط حياة” لا مفر منه؛ فالليل هو الوقت الوحيد الذي يسود فيه الهدوء (رقمياً على الأقل)، مما خلق فجوة بيولوجية تجعل نهارهم نوماً وليلهم نشاطاً محموماً. هذا الانفصال عن الإيقاع الطبيعي ليس مجرد “تمرد شبابي”، بل هو عائق حقيقي أمام الإنتاجية وبناء المستقبل في بيئة تتطلب اليقظة الصباحية.
تتجلى الأزمة بشكل أكبر وأكثر تعقيداً في واقع الأسر السودانية اللاجئة في مصر. فالمجتمع المصري، رغم صخبه، محكوم بدورة عمل ونظام سكن صارم، خاصة في المناطق التي يقطنها الموظفون والعمال الذين يبدأ يومهم مع بزوغ الفجر.
هنا، تبرز “إشكالية التوقيت”؛ حيث تبدأ حيوية الأسرة السودانية -للأسف- في ساعات متأخرة من الليل. الأصوات المرتفعة في الشرفات، حركة الأطفال في الممرات، والتحركات الجماعية في الشوارع عند الثانية فجراً، لم تعد مجرد “عادات اجتماعية”، بل تحولت إلى مصدر إزعاج للجيران وتوتر يسيء لصورة السوداني، من حيث الإزعاج السكني فالشقق في المدن المزدحمة ليست معزولة صوتياً، وما نعتبره “ونسة عادية” هو في ميزان الموظف الكادح “ضجيج” يسرق منه ساعات نومه القليلة، والارتهان الى ثقافة الشارع فالتحرك الجماعي في أوقات نوم الآخرين يعطي انطباعاً بعدم الاكتراث بالنظم العامة، مما يعمق الفجوة بين المجتمعات المضيفة والوافدة.
بينما يتحدث العالم عن “جودة النوم” كرفاهية طبية، نحن مطالبون بالنظر إليه كـ “ضرورة أخلاقية واجتماعية”. إن احترام مواعيد نوم الآخرين هو جزء أصيل من “فقه الجوار” وقيم الانضباط التي نحتاجها في مرحلة اللجوء والنزوح أكثر من أي وقت مضى.
تحسين جودة النوم ليس مجرد استلقاء على سرير، بل هو قرار جماعي بضبط المنبهات، وإغلاق الشاشات، واحترام صمت الليل، لكي نستطيع مواجهة تحديات النهار بذهن صافٍ وجسد معافى، والأهم من ذلك، بروح تحترم حقوق الآخرين في الهدوء.
السودان: بين سندان التمرد ومطرقة “الاختطاف”
Ghariba2013@gmail.com تمر الدولة السودانية اليوم بمنعطف تاريخي لا يقبل أنصاف الحلول، ولا ي…





