لا تضعوا اسم السودان خلف سؤال ساندرا..معالي المشير عبد الفتاح البرهان الموقر
صلاح البندر

تحية طيبة وبعد
كل عام وأنتم وبلادنا وأهلها في أمان وخير
1
سأفصل هنا بين الثابت والمتداول الثابت أن الطبيب أمجد فريد الطيب إدريس عين مستشاراً للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، وأنه أعلن قبوله التكليف مبرراً ذلك بأنه انحياز للشعب في ما سماه «معركة وجودية». والثابت أيضاً أنه ليس اسماً عابراً في المشهد؛ فقد عمل سابقاً مساعداً لرئيس مكتب حمدوك، ومستشاراً سياسياً لبعثة الأمم المتحدة في السودان، وله حضور كتابي وتحليلي متصل بملف الحرب والعلاقات الإقليمية. ومعلوم أنه ينتمي إلى بيت من البيوت التي لا تذكر في السودان على سبيل المجاملة، بل على سبيل الاستحقاق بيت يعتز به أهل أمدرمان اعتزازاً موصولاً، ويحتفي به عموم السودانيين لأنه لم يكن مجرد خلفية اجتماعية موروثة، بل تقليداً من المكانة، وسمعة من الوقار، وأثراً ظل محفوظاً في الذاكرة العامة. وحيث يلتقي الاعتراف بما مثلته من
قيمة وأثر واحترام. ولكن كل ذلك خارج دائرة هذه الرسالة. نحن في ظرف حساس، فهوية السودان وسيادته ومصالحه العليا بل وأمنة الوطني يتعرض إلى حملة عسكرية وإعلامية طاغية. وذلك يتطلب حرصاً فائقاً ويقظة مستمرة.
دلالة التعيين سياسياً
هذا التعيين لا يعني فقط إضافة مستشار جديد، بل يعني أنكم تريدون ضم صوت مدني له تجربة في الخطاب الخارجي وفي تسويق سردية “الدولة في مواجهة الميليشيا. هذا واضح من كتاباته الأخيرة، حيث قدم مقاربة شديدة التركيز على مركزية الدولة، وعلى أن الدعم السريع هو الخطر
الرئيسي على المدنيين كما كتب عن حسابات الرياض والقاهرة في حرب السودان من زاوية الاستقرار الإقليمي، وعن مكاسب الجيش الميدانية بوصفها ذات أثر سياسي وإنساني. لذلك فالتعيين في جوهره، هو محاولة لتقوية الواجهة السياسية والدبلوماسية للدولة لا مجرد ملء موقع إداري. لكن التعيين يحمل أيضاً معنى انقلاب في التموضع.
أكتب هذه الرسالة من معيار واضح لا أريد التخفف منه ولا التحايل عليه: أهلية التمثيل لا تُقاس فقط بما يقوله المسؤول، بل أيضاً بما يجره خلفه من عبء أخلاقي وسياسي إلى المنصب. لهذا لا
أتعامل مع تعيين أمجد مستشاراً بوصفه خبراً إدارياً عابراً، بل بوصفه قراراً يمس صورة الدولة نفسها. فالمنصات السودانية التي نقلت قرار التعيين ونقلت كذلك قبوله للتكليف قدمت الأمر باعتباره تعزيزاً للعمل السياسي والدبلوماسي في لحظة حرجة. لكن المنصب الخارجي ليس مقعداً تقنياً في آخر الممر؛ إنه واجهة. والواجهة لا يكفي أن تكون بليغة. يجب أن تكون قابلة للتصديق والمشكلة هنا أن أمجد لم يصعد إلى الفضاء الخارجي من باب الوظيفة الصامتة، بل من باب الدعوى الأخلاقية. أي أنني لا أتحدث عن شخص تسوقه الدولة اليوم من فراغ، بل عن اسم بني جزء مهم من رصيده الخارجي على اللغة الديمقراطية وحماية المدنيين وحقوق الإنسان. وهذا بالضبط ما يجعل سقوط السؤال عليه أكثر مدوّياً من سقوطه على موظف عادي. لأن من يطلب ثقة العالم بلغة القيم، يُحاسب أولاً بمعيار القيم.
وهنا فإن ملف دكتورة ساندرا فاروق كدودة، فهو موضع التكلفة الأخلاقية
الأكبر. في مارس 2022 نشرت عدة مواقع سودانية أن محكمة جنايات الخرطوم شرق أدانت أمجد في الدعوى الجنائية المرفوعة من زوجته ساندرا، وحكمت عليه بالغرامة مع السجن عند عدم السداد على خلفية اتهامات بالأذى الجسدي والنفسي متكرر هذه معلومة منشورة على نطاق واسع في الإعلام السوداني المحلي، لذلك لا أتعامل مع الملف هنا بوصفه مادة للتشهير، ولا أتعامل معه كتصفية حسابات شخصية، ولا كبديل عن القضاء.
بل بوصفه عبئاً عاماً وثقيلاً معروفاً بما يكفي لكي يطعن في أهلية أي تعيين خارجي يلاحق أي تعيين في منصب حساس.
فإن العبء السياسي لا ينتظر اكتمال اليقين القانوني حتى يبدأ أثره. يكفي أن يكون الملف منشوراً، ومعروفاً، وقابلاً للاستدعاء، حتى يصبح مشكلة تمثيل كاملة.
والأخطر أن دكتورة ساندرا كدودة نفسها ليست اسماً هامشياً يمكن عزله داخل الخصومة الخاصة منظمة العفو الدولية وثقتها في 2015 باعتبارها طبيبة وناشطة سياسية اختفت قسرياً بعد أن أخذها رجال يشتبه بانتمائهم إلى جهاز الأمن، ثم نشرت لاحقاً خبراً عن الإفراج عنها. معنى ذلك أن اسمها موجود سلفاً في أرشيف المنظمات والشبكات الحقوقية التي تتابع السودان. وعندما تدفع الدولة إلى الواجهة الخارجية باسم يطارده ملف علني متصل بامرأة ذات حضور معروف في الذاكرة الحقوقية، فهي لا ترسل موظفاً فقط؛ إنها ترسل مشكلة جاهزة إلى جنيف ولندن وبروكسل وواشنطن.
هنا لا يعود السؤال: هل يستطيع أمجد أن يتكلم مع شبكات سياسية
خارجية؟ بالطبع يستطيع ولا السؤال : هل يملك شبكة علاقات أو خبرة في مخاطبة الخارج؟ نعم، يملك. لكن هذا ليس هو السؤال الكبير. السؤال الكبير هو: هل يصلح لأن يكون وجهاً مطمئناً في ملف يتصل بالعلاقات الخارجية، بينما يسبقه إلى الغرف سؤال أخلاقي بهذا الثقل؟ في السياسة الخارجية، قد تفتح الأبواب لأي ممثل ترسله أي سلطة قائمة. غير أن فتح الباب ليس هو الثقة. وقد تُعقد الاجتماعات، لكن الاجتماع ليس هو القبول الفرق شاسع بين من يدخل حاملاً ملف بلده ومن يدخل حاملاً أولاً عبء الدفاع عن نفسه وأحسب أن تعييناً كهذا لا يمنع التعامل معه إجرائياً، لكنه يخفض أهليته التمثيلية من اللحظة الأولى. هذا استنتاج تحليلي، لكنه استنتاج يسنده نوع المنصب وطبيعة الصورة التي بنيت للرجل وطبيعة الملف المتداول حوله.
معالي المشير البرهان
وأنا هنا لا أكتب ببرود محايد مصطنع. أكتب من مبدأ شخصي وأخلاقي لا أساوم عليه: أنا أب لبنات وأخ لبنات وأمقت وأقاوم أي تنمر أو محاولة عنف ضد النساء، وأعتبر ذلك خطاً فاصلاً لا يقبل المراوغة ولا التأجيل ولا التجميل. وأعرف أنك كذلك. إذن هذا ليس ترفاً عاطفياً، بل جزء من ميزان الحكم على الشأن العام. لأن المجتمع الذي يطلب من الناس أن يبلعوا هذا النوع من الأسئلة حين يكون صاحبها مفيداً سياسياً، إنما يدرب نفسه على التواطؤ. والدولة التي تنتقي حساسيتها الأخلاقية بحسب مصلحة اللحظة، تفقد خطابها
كل قيمة زائدة على مجرد الدعاية.
إذن ما أثر كل ذلك على المنصب؟
الأثر الأول هو أثر شرعية. فحين يُعيّن شخص لمنصب يتصل بالسياسة والعلاقات الخارجية، فإن سيرته الشخصية تصبح جزءاً من صورة الدولة نفسها. وفي بلد يتمزق بالحرب والعنف، ويحتاج إلى خطاب أخلاقي عن حماية المدنيين والنساء وسيادة القانون، فإن أي ملف علني متعلق بعنف أسري أو إساءة سابقة يتحول فوراً من شأن شخصي إلى مسألة عامة. المشكلة هنا ليست قانونية فقط، بل رمزية كيف ستسوق الدولة خطابها عن العدالة والانضباط الأخلاقي إذا كان خصومها قادرين على إعادة فتحهذا الجرح في كل مناسبة؟
الأثر الثاني هو أثر دبلوماسي. لأن حقيبته ليست داخلية صرفة؛ إنها تشمل العلاقات الخارجية. أي أن الرجل سيكون عملياً أو معنوياً، جزءاً من مخاطبة العواصم والبعثات والمنظمات. وفي هذا الحيز، لا تقرأ الشخصيات فقط بكفاءتها، بل أيضاً بسلامة سجلها العام. وهذا مهم أكثر لأن أمجد بنيت صورته سابقاً في جزء منها على خلفية حقوقية ومدنية، ثم على كتابة سياسية موجهة للرأي العام الإقليمي والدولي. لذلك فإن خصوم السودان الخارجيين، أو خصوم السلطة تحديداً، سيجدون في هذا الملف مادة جاهزة لتقويض أهليته الأخلاقية، ولو كان تعيينه مفيداً مهنياً من زاوية أخرى.
الأثر الثالث هو أثر داخلي على النخبة المدنية تعيين أمجد يمكن أن يمنح
الدولة مكسباً تكتيكياً، لأنه يضم شخصية مدنية معروفة، ولها لغة خارجية أفضل من كثير من موظفي الدولة التقليديين. لكن هذا المكسب نفسه قد يتحول إلى خسارة إذا بدا التعيين وكأنه استيعاب انتقائي لشخصيات مدنية لتجميل وجه الحرب، لا لتوسيع الشرعية الوطنية فعلاً. ومع وجود ملف ساندرا في الخلفية، يصبح الهجوم عليه مزدوجاً مرة باعتباره تحوّلاً سياسياً، ومرة باعتباره هشاشة أخلاقية. السؤال المهم هل يفشل التعيين بسبب ذلك ؟
و تزداد فداحة الأمر لأن السودان لا يخوض اليوم نقاشاً نظرياً عن النساء. السودان يقف أمام العالم وفي عنقه ملف بالغ الثقل عن انتهاكات مروعة ضد النساء والفتيات في الحرب الجارية بعثة تقصي الحقائق المستقلة التابعة للأمم المتحدة قالت في تقريرها المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان في فبراير 2026 إن نمط الانتهاكات في الفاشر وما حولها شمل اغتصاباً واسعاً وأشكالاً أخرى من العنف الجنسي، بينما قالت المفوضية السامية إن الأدلة تكشف حملة منسقة نفذتها مليشيا الدعم السريع استهدفت مجتمعات غير عربية، وشملت قتلاً وعنفاً جنسياً وتدميراً على نطاق واسع. في هذا السياق تحديداً، لا في سياق آخر، يصبح أي تساهل في معايير التمثيل بشأن العنف ضد النساء خطاً مضاعفاً: خطأ في التوقيت، وخطأ في المعنى، وخطأ في الرسالة التي يراد إبلاغها للعالم.
وهنا تبلغ المفارقة حد الفضيحة السياسية. فالدولة تريد أن تقول للعالم: انظروا إلى ما فعلته الميليشيا بالنساء السودانيات، وها هي الملفات أمام مجلس حقوق الإنسان. وهذا حق، بل واجب، ويجب أن يبقى في واجهة
المرافعة السودانية بلا كلل. لكن الدولة نفسها تقول بالفعل لا بالبيان، إن هذا المبدأ يمكن أن يصبح أقل صرامة حين يتعلق الأمر بمن تختاره هي لمنصب حساس. أي أنها تريد من العالم أن يأخذ خطابها عن النساء بجدية كاملة، بينما هي لا تتعامل بالصرامة نفسها مع العبء الرمزي الذي تحمله بعض اختياراتها. وهذه ليست مجرد ازدواجية؛ هذه قسوة على الفكرة نفسها. فمن يريد أن يحاجج العالم في جرائم الحرب ضد السودانيات لا يجوز له أن يبعث إلى العالم من يجعل خصومه قادرين على خنق المرافعة كلها بسؤال واحد.
وقد يقول قائل: لكن الدول لا تُدار بالطهارة الأخلاقية. صحيح. غير أن هذا الاعتراض ناقص ومريح أكثر مما ينبغي. فليست القضية أن يكون المسؤول ملاكاً، بل أن لا يكون هو نفسه نقطة ضعف جاهزة في الرسالة التي يحملها. هناك فرق بين خطأ يمكن احتواؤه داخل مؤسسة، وعبء يتصل مباشرة بأهلية التمثيل الخارجي. حين تختار الدولة لساناً للخارج، فهي لا تختبر فقط ذكاءه أو صلاته، بل تختبر قدرته على ألا يتحول هو إلى الخبر. وفي حالة أمجد أخشى أن الخبر لن يكون السودان وحده. سيكون السودان ومعه سؤال ساندرا. وهذا بحد ذاته خسارة مسبقة في معركة الرسائل.
بل إن قبول أمجد نفسه لهذا المنصب، في تقديري لم يكن شجاعة سياسية كما قد يقال، بل سوء تقدير. لأن أمجد يعرف – أو كان ينبغي أن يعرف طبيعة الفضاء الذي بنى فيه اسمه فضاء الحقوق، والمرافعة المدنية والعلاقات الدولية، وحساسية الشبكات النسوية والحقوقية تجاه أي ملف من هذا النوع. وكان ينبغي أن يعرف أن المنصب الخارجي لا يوسع سلطته
فقط يوسع كذلك دائرة مساءلته. ولذلك فإن قبوله للتكليف لم يضف إلى رصيده بقدر ما عرضه وعرض المنصب، وعرّض السودان نفسه إلى اختبار كان يمكن تجنبه لو وجد حد أدنى من الحكمة السياسية في معنى الاختيار.
أما الجهة التي رشحته، فقد ارتكبت خطأين في وقت واحد. الأول أنها ظنت أن استقدام اسم مدني معروف خارجياً يكفي لتحسين صورة السودان.
والثاني أنها لم تفهم أن الاسم المدني لا يشتغل هنا كقشرة تجميل، بل كوعاء معنى. فإذا كان الوعاء مثقلاً، انسكب المعنى كله على الأرض. الدولة يا معالي المشير البرهان لم تكسب بهذا التعيين وجهاً نظيفاً للخارج؛ كسبت وجهاً قابلاً للطعن. ولم تكسب رسولاً مريحاً للمرافعة؛ كسبت سؤالاً موازياً للمرافعة. وهذه ليست براعة تكتيكية، بل فشل في قراءة كيف تعمل السمعة السياسية في عالم اليوم.
تعيين أمجد قد يحمل فائدة سياسية للدولة من جهة الخبرة والقدرة على مخاطبة الخارج، لكنه في الوقت نفسه يحملها عبئاً أخلاقياً ورمزياً واضحاً بسبب ملف ساندرا، ويُظهر تحولاً لافتاً في تموضع الرجل من ناقد لابتزاز العسكر إلى جزء من بنية الحكم القائمة. لذلك فالتداعي الأرجح ليس سقوط التعيين فوراً، بل بقاؤه ناجحاً وظيفياً ومجروحاً شرعياً. وهذه، في السياسة، صيغة قابلة للاستعمال اليوم، لكنها باهظة التكلفة غداً.
معالي المشير البرهان
الخلاصة عندي حادة وبسيطة من يتحدث باسم دولة مجروحة يجب ألا يكون هو نفسه جرحاً إضافياً في صورتها. والسودان اليوم ليس في ترف التجريب الرمزي ولا في رفاهية إرسال شخص يحتاج
أولاً إلى الدفاع عن أهليته قبل أن يدافع عن بلده. إن جرائم الدعم السريع ضد النساء يجب أن تبقى في قلب الملف السوداني أمام مجلس حقوق الإنسان وسائر المنابر الدولية، لكن هذا الواجب نفسه يفرض على الدولة أن تكون أكثر صرامة، لا أقل، فيمن تختارهم لتمثيلها. ولهذا فإنني لا أرى في هذا التعيين مجرد خطأ عابر، بل أراه سقوطاً في معيار التمثيل: أن تطلب من العالم أن يصدقك في قضية النساء، ثم ترسل إليه من يوقظ سؤالاً من هذا النوع قبل أن يبدأ الكلام.
صلاح ود هدى
کیمبریدج، المملكة المتحدة
الاربعاء 18 مارس 2026
الكسل الحكومي إدارة الغياب في زمن الأزمات
أسبوع على إعفاء الدكتورة لمياء عبدالغفار وزير مجلس الوزراء في حكومة الدكتور كامل إدريس ، و…




