سيادة فوق الوصاية: برلين ومقامرة إعادة إنتاج الفشل
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
بينما يسطر الجندي السوداني ملاحم الصمود في الميدان، وتلتف الجماهير حول مؤسساتها الوطنية في معركة وجودية لا تقبل القسمة على اثنين، تطل علينا من خلف البحار محاولات بائسة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. إن ما يُطبخ اليوم في أروقة العاصمة الألمانية برلين، تحت لافتة “دعم السلام وإعادة الإعمار”، ليس في جوهره إلا محاولة مكشوفة لفرض وصاية دولية جديدة على إرادة الشعب السوداني، واختطاف قراره الوطني لصالح كيانات لفظها الواقع السياسي والتف حولها غبار العمالة.
إن القراءة المتأنية لكواليس التحضير لمؤتمر برلين (المزمع عقده في 15 أبريل 2026) تكشف عن خلل بنيوي متعمد في معايير الاختيار والتمثيل. فالآلية الخماسية والجهات المنظمة لم تكتفِ بتغييب الصوت الوطني الحر، بل ذهبت بعيداً في منح نصيب الأسد لكيانات مشبوهة وأجنحة مدنية لمليشيا إرهابية روعت الآمنين، واغتصب ديارهم، وانتهكت سيادة بلادهم.
كيف يستقيم عقلاً أن يُمنح تحالف “صمود” ومن شايعه أكثر من ثلاثة أرباع مقاعد الحوار، بينما تُهمش القوى الوطنية الحقيقية ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة؟ إن هذا “التفصيل” المتعمد لقوائم الحضور لا يستهدف حواراً سودانياً-سودانياً، بل يهدف إلى صناعة “بديل مزيف” يتم فرضه كأمر واقع، في تكرار ممل وفاشل لتجربة “الاتفاق الإطاري” التي كانت الشرارة التي أشعلت نار الحرب.
المجتمع الدولي، الذي يتباكى اليوم على الأوضاع الإنسانية في السودان، هو نفسه الذي يمارس سياسة الكيل بمكيالين؛ حيث يمتنع عن إدانة جرائم مليشيا آل دقلو الإرهابية، بل ويسعى لإعطائها مقعداً على طاولة السياسة عبر أذرعها المدنية (تأسيس وصمود). إن أي مؤتمر لا ينطلق من الاعتراف بسيادة الدولة السودانية، ولا يضع تصنيفاً واضحاً للمجرم والضحية، هو مؤتمر يفتقر للشرعية الأخلاقية والقانونية.
إن موقف نقابة المحامين السودانيين والقوى الوطنية الرافضة لهذا المؤتمر ليس مجرد “احتجاج إجرائي”، بل هو موقف مبدئي ضد الارتهان للخارج. فالسودانيون الذين خاضوا “حرب الكرامة” بدمائهم وأموالهم، ليسوا بحاجة إلى وصي أجنبي يحدد لهم من يحكمهم أو كيف تدار شؤونهم.
إن الرهان على برلين أو غيرها من العواصم لتوليد حلول مستوردة هو رهان خاسر. الحل الحقيقي لا يمر عبر المطارات الدولية، بل يخرج من فوهات بنادق القوات المسلحة التي طهرت الأرض، ومن وجدان الشعب الذي اصطف خلف قيادته الرشيدة. إن القوى الوطنية التي أعلنت مقاطعتها أو تحفظها على هذا المحفل، إنما تعبر عن نبض الشارع الذي يرفض الجلوس مع الخونة والمأجورين.
لقد ولى زمن “تسول الوظائف” والارتهان للأجندات العابرة للحدود. إن السودان اليوم، بقيادته وجيشه وشعبه المستنفر، يرسل رسالة واضحة للعالم: “سيادتنا خط أحمر، وقرارنا ينبع من داخل حدودنا”. وأي مخرجات تصدر عن غرف برلين المظلمة لن تكون ملزمة لمن يبنون السودان الجديد بدمائهم وتضحياتهم.
أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار (الحلقة السابعة عشرة) قلق الخروج
■ غادرنا رفيق الدرب الثالث، ذاك التاجر الدارفوري الذي قاسمنا وجع اللحظة؛ وضعناه أمام عتبة …





