رحيل العلّامة البروفيسور محمد عثمان صالح عالمٌ يترجّل وأثرٌ لا يزول
خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

إنّا لله وإنّا إليه راجعون بلغني اليوم الأحد عند الحادية عشرة مساءً، نبأ وفاة العالم العلّامة البروفيسور محمد عثمان صالح – رحمه الله – فوقع الخبر على نفسي وقع الصاعقة؛ إذ لم يكن مجرد عالمٍ يُذكر، بل كان مدرسةً قائمة، وبحرًا زاخرًا في العلم والتأصيل.
عرفته عالمًا ضليعًا في تخصصه، متشربًا معين الدعوة الإسلامية منذ بواكير عمره، فجمع بين رسوخ العلم الشرعي واتساع الأفق، حتى غدا مرجعًا يُشار إليه، وحاز إجازاتٍ متعددة من كبار العلماء في شتى الفنون. وكان – رحمه الله – فصيح العبارة، قوي الحجة، رصين المنطق، يجمع بين عمق التأصيل وسهولة الطرح، فيخرج الكلام من فيه عذبًا سلسًا كأنه العسل المصفّى.
ولم يكن أثره قاصرًا على قاعات الدرس، بل امتد ليُسهم في وضع المناهج في عدد من الجامعات، فكان بحق مدرسةً متفردة في التعليم والتربية، تخرّج على يديه أجيالٌ من طلاب العلم داخل السودان وخارجه.
وأنا أعتز بأنني كنت أحد تلاميذه، وقد تشرفت بإشرافه عليّ في مرحلة الدكتوراه، وكان – رحمه الله – كريم التوجيه، صادق النصيحة، مشجعًا على التأليف والتأصيل، محفّزًا على الكتابة الهادفة. ولا أنسى كلماته التي ظلّت نبراسًا لي، حين أثنى على رسالتي، وعدّها من حيث النضج الفكري وحسن الترتيب وقوة الطرح من المتميّزات بين ما اطّلع عليه من رسائل، وقد ناقش – كما ذكر – المئات منها.
كنت أزوره في بيته العامر، فأخرج منه زادًا من العلم، وضياءً من التوجيه، ودفعةً نحو مزيد من البذل والعطاء. وكان – رحمه الله – واسع الابتسامة، قوي الموقف، حاضر الهمّ بقضايا الأمة، متابعًا لأحوال المسلمين، محبًا للعلم وأهله في كل مكان، لا يُعرف عنه إلا صفاء السريرة، وحسن الخلق، ممن يألفون ويُؤلفون.
برحيله، فقدت الأمة عالمًا نحريرًا، هي في أمسّ الحاجة إلى علمه ومنهجه الوسطي المتزن. غير أن سنّة الله جارية، إذ يرحل الرجال وتبقى آثارهم، وما خلّفه – رحمه الله – من تراث علمي سيظل منارًا يهتدي به طلاب العلم، ونبراسًا للأجيال القادمة.
وإن من الوفاء لهذا العالِم أن يسعى تلاميذه ومحِبّوه إلى جمع تراثه العلمي، وإخراج كنوزه التي لم ترَ النور، خاصة ما كان يبثّه من فوائد حديثية وقرآنية، وما تناثر من درره في الصحف ووسائل التواصل، لتبقى صدقةً جارية، وعلمًا يُنتفع به.
نسأل الله أن يتقبله قبولًا حسنًا، وأن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يُسكنه فسيح جناته، وأن يُلهم أهله وذويه وتلاميذه الصبر والسلوان.
إنّا لله وإنّا إليه راجعون
أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار (الحلقة السابعة عشرة) قلق الخروج
■ غادرنا رفيق الدرب الثالث، ذاك التاجر الدارفوري الذي قاسمنا وجع اللحظة؛ وضعناه أمام عتبة …





