‫الرئيسية‬ مقالات نبش القبور بين حرمة الشريعة وفوضى الاتهام
مقالات - ‫‫‫‏‫12 ساعة مضت‬

نبش القبور بين حرمة الشريعة وفوضى الاتهام

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

تداول الناس حادثة نبش ضريح الشيخ محمد كرجة بقرية الصقيعة، وهو — إن ثبت وقوعه خارج إطار الجهات المختصة — فعلٌ مُجرَّم شرعًا ونظامًا، لما فيه من انتهاكٍ لحرمة الأموات، التي صانها الشرع وجعل لها مكانة عظيمة.

فقد قال النبي ﷺ: «كسرُ عظمِ الميت ككسره حيًّا»،

رواه سنن أبي داود (3207)، وسنن ابن ماجه (1616)، وصححه الألباني، وهو نصٌّ صريح في تعظيم حرمة الميت.

كما قال ﷺ: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خيرٌ له من أن يجلس على قبر»،

رواه صحيح مسلم (971)، دلالةً على وجوب صيانة القبور وعدم امتهانها.

وفي المقابل، نهى الشرع عن الغلو في القبور واتخاذها مواضع للعبادة، فقال ﷺ: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»،

متفق عليه في صحيح البخاري (435) وصحيح مسلم (531).

غير أن هذه الأحكام — مع وضوحها — لا تُجيز الفوضى، ولا تبيح لأي أحدٍ أن يأخذ القانون بيده، بل ذلك من اختصاص ولي الأمر والجهات المختصة.

وهنا تتجلى الإشكالية؛ إذ يسارع بعضهم إلى إلصاق التهم بـ الجماعات التي تدعو إلى التوحيد، والتي يحاول خصومها إلصاق اسم “الوهابية”بها، —زورا وبهتانا — دون بيّنة أو دليل، في سياق خصومةٍ فكرية أكثر منه توصيفًا علميًا منضبطًا.

إن هذه الجماعات عُرفت بمنهجها الدعوي القائم على البيان بالحكمة، لا على الفوضى أو التعدي، ويكفي في بيان منهجها ما قرره الإمام محمد بن عبد الوهاب حين قال: «إذا كنا لا نكفّر من يعبد الصنم الذي على قبر عبد القادر أو البدوي لأجل جهلهم، فكيف نكفّر من لم يهاجر إلينا؟»، وهو نصٌّ يكشف بجلاء أن دعوته قائمة على البيان والرفق، لا على الغلو أو استباحة الدماء.

كما أن ما يُطرح في بعض الأحيان من اتهامات، قد يتقاطع مع واقعٍ آخر لا يمكن تجاهله، وهو وجود تنافسٍ داخل بعض البيئات التي تقوم على تعظيم الأضرحة، قد يصل — في بعض الحالات — إلى طمس معالم الخصوم أو إضعاف رموزهم، باعتبار أحقّيتها بالمكانة الدينية، واعتقاد أن بعض مشايخها من “خاتم الأولياء”، ثم توجيه التهمة إلى أطراف أخرى، في محاولة لصناعة خصمٍ يُحمَّل المسؤولية.

وهذا يفرض التريث، وعدم الانجرار خلف الاتهامات الجاهزة، والتحقق من الحقائق قبل إصدار الأحكام.

كما أن على الجهات المسؤولة في الدولة أن تتصدى بحزم لكل الأصوات المتطرفة — بما في ذلك بعض من يُنسبون إلى دعاة التصوف — ممن يحرّضون ويُطلقون الاتهامات جزافًا على جماعات لم يُعرف عنها تاريخيًا أنها نبشت القبور أو أخذت القانون بيدها، وأن تضع حدًا لكل خطابٍ من شأنه تأجيج الفتنة، أو تمزيق النسيج الاجتماعي، أو إثارة العداوات بين مكوّنات المجتمع.

فالتعايش بين طوائف المسلمين نعمةٌ عظيمة، لا يجوز التفريط فيها، ولا العبث بها عبر الاتهامات غير المسؤولة أو الخطابات التحريضية.

فالعدل لا يقوم على الظنون، والحق لا يُبنى على الاتهام، وإنما على الدليل والإنصاف.

‫شاهد أيضًا‬

الامارات نستلها لانها انسلت 

يعتب مستشارو رئيس الدوله بالامارات علينا استثناؤهم من رأينا حول ماتلقاه دول الخليج من ضربا…