‫الرئيسية‬ مقالات بين الخلط التاريخي والتوظيف التحريضي: قراءة في مقال “التطرف الوهابي لا دين له”
مقالات - ‫‫‫‏‫40 دقيقة مضت‬

بين الخلط التاريخي والتوظيف التحريضي: قراءة في مقال “التطرف الوهابي لا دين له”

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

اطلعتُ على مقالٍ بعنوان “التطرف الوهابي لا دين له” متداول في وسائل التواصل الاجتماعي، يتناول التصوف ويصف السلفية بالتكفير، ويسوق جملةً من المزاعم التي تمثل خلطًا تاريخيًا بيّنًا، وتوظيفًا تحريضيًا لا يستند إلى منهجٍ علمي منضبط، بل يقوم على إسقاطاتٍ مضطربة، وربط أحداثٍ متباعدة لا يجمعها سياقٌ صحيح، ولا يؤيدها تحقيقٌ معتبر.

فمن ذلك ربط هذا الطرح بين السلفية وبين أحداثٍ تاريخية كقتل الحسين بن علي رضي الله عنه في معركة كربلاء، واستدعاء مناظرات عبد الله بن عباس رضي الله عنه للخوارج، ثم إسقاط ذلك على السلفية، وهي مفارقة تاريخية ظاهرة؛ إذ إن السلفية – بهذا الاصطلاح – لم تكن موجودة في زمن ابن عباس، وإنما ظهرت لاحقًا للدلالة على التمسك بمنهج السلف، تمييزًا لها عن الخوارج وسائر الفرق.

 

*أولًا: في دعوى التكفير*

إن من يطالع كلام أهل العلم بتجرد وإنصاف، يدرك أن السلفية قامت على ضبط باب التكفير، لا فتحه، وعلى سدّ ذرائعه، لا التوسع فيه. فقد قال *ابن تيمية*: “ليس لأحدٍ أن يكفّر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة” (مجموع الفتاوى 12/466). وقال عبد *العزيز بن باز*: “التكفير حكم شرعي مرده إلى الله ورسوله، فلا يجوز لأحد أن يُكفّر مسلمًا إلا بدليل واضح” (مجموع فتاوى ابن باز 7/284). وقال *محمد بن صالح العثيمين:*“تكفير المعين لا يجوز إلا بعد قيام الحجة عليه وانتفاء الشبهة”(مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين 3/80). بل إن الإمام *محمد بن عبد الوهاب* – وهو ممن تُلصق به هذه التهمة – نصّ نصًا قاطعًا ينقض هذا الزعم، فقال:

“إذا كنا لا نكفّر من يعبد الصنم الذي على قبر البدوي وأمثاله لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفّر من لا يشرك بالله؟”

(الدرر السنية في الأجوبة النجدية).

وهذه النصوص المحكمة تدل دلالة قاطعة على أن منهج السلفية قائم على التثبّت، ودرء التكفير، وضبطه بالعلم والحجة، لا إطلاقه على الناس جزافًا.

 

*ثانيًا: الخلط بين السلفية والخوارج*

إن الخوارج فرقة معروفة عبر التاريخ بالغلو في التكفير واستحلال الدماء، وقد قال *النبي ﷺ:«يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان» (متفق عليه). وقد قال *صالح الفوزان:*“الخوارج يكفّرون المسلمين ويستحلون دماءهم، وهذا من أعظم الباطل”

(المنتقى من فتاوى الفوزان 1/372). فكيف يُسوّى بين منهجٍ يحذّر من هذا المسلك، وبين من يقوم عليه؟! إن هذا الخلط لا يصدر عن تحقيق، بل عن اضطرابٍ في الفهم أو تعمدٍ في التلبيس.

 

*ثالثًا: ربط السلفية بالجماعات المتطرفة*

إن ربط السلفية بأفكار *سيد قطب* أو بالجماعات المتطرفة المعاصرة، هو من أوضح صور الخلط؛ فالسلفية دعوة إلى الكتاب والسنة، لا مشروعًا تكفيريًا، ولا تيارًا حزبيًا، بل منهجٌ إصلاحي يقوم على الاعتدال ونبذ الغلو.

 

*رابعًا: في الواقع العملي*

لم يُعرف عن الجماعات السلفية – ومنها جماعة أنصار السنة المحمدية – عبر تاريخها أنها مارست التكفير على عموم أهل القبلة، فضلاً عن أن تستبيح دماءهم، بل كانت في كثيرٍ من الأحيان ضحيةً للفكر المتطرف؛ إذ قُتل أفراد منها وهم سُجّدٌ ركّع في مساجدهم في ليالي رمضان، في أم درمان والجرافة والجزيرة، في مشاهد دامية تكشف بوضوح من هو صاحب الغلو، ومن هو ضحيته.

 

*خامسًا: مفارقة الاتهام وسقوط المعايير*

ومن المهم في هذا السياق ضبط المفاهيم قبل إطلاق الأحكام؛ فإن منهج أهل السنة والجماعة – الذي يعتقده السلفيون – قائم على أصلٍ محكم في باب التكفير، وهو أنهم لا يكفّرون المعيّن إلا بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع، وإقامة الحجة عليه، وهو بابٌ من أدق أبواب الدين وأخطرها، لا يُخاض فيه بالظنون ولا بالشعارات، ولا يُتناول بالخطاب الإعلامي المجتزأ.

وعليه، فلم يُعرف عن السلفية – قديمًا ولا حديثًا – أنها كفّرت أشخاصًا بأعيانهم إلا وفق هذه الضوابط المحكمة التي قررها أهل العلم، ومن ثمّ فإن وصفها بإطلاق “التكفيرية” لا يستقيم مع هذا الأصل المنهجي المنضبط، ولا مع واقعها العلمي المعروف.

وفي المقابل، ومن باب الإنصاف العلمي الذي لا يقبل التعميم ولا التهويل، فإنه قد يُوجد في بعض كتب التراث الصوفي عبارات تُفهم منها أحكامٌ شديدة على المخالف، خاصة في كتابات بعض الغلاة، وهو أمر مهم لا يمكن تجاهله عند المقارنة. ومن ذلك – على سبيل المثال – ما جاء في قول صاحب البهجة السنية: «من لا شيخ له فشيخه الشيطان، ومتى كان شيخه الشيطان كان في الكفر حتى يتخذ له شيخاً متخلقاً بأخلاق الرحمن»

(البهجة السنية في آداب الطريقة العلية الخالدية النقشبندية لمحمد بن عبد الله الخاني ص:47).

كما لا يخفى ما صدر في بعض المحافل، كمؤتمر الشيشان، من إخراج السلفيين من دائرة أهل السنة والجماعة، وما كتبه شمس الدين الجزائري من توصيفاتٍ حادة للعقيدة السلفية،حيث قرر فيه أن العقيدة السلفية عقيدة يهودية ومع ذلك يُرمى السلفيون بأنهم سبب الفرقة والتكفير، وهو طرح يحتاج إلى قدرٍ أكبر من المراجعة والإنصاف.

ولا يُقصد من إيراد هذه الأمثلة التعميم أو الاتهام، وإنما بيان أن إطلاق الأحكام دون تفريقٍ بين المنهج وأخطاء بعض المنتسبين، أو بين الاعتدال والغلو داخل أي تيار، هو مسلكٌ لا يحقق العدل، ولا يخدم الحقيقة.

ومن هنا، فإن من الإنصاف أن يُقال: إن من يوجّه تهمة التكفير إلى غيره، عليه أولًا أن يُحاكم خطابه وتراثه بذات المعايير، فالاتزان في النقد يقتضي التجرّد، لا الانتقائية، والحكمة تقتضي البناء، لا إثارة الخصومات.

*وخلاصة القول*:

إن تغييب هذه الحقائق – وفي مقدمتها ما ورد من تكفير بعض المتصوفة لمخالفيهم – مع افتعال الخصومات، وتأزيم الأوضاع بإثارة النعرات، واستهداف الجماعات السلفية بخطابٍ تحريضي يصدر عن بعض المتطرفين من المتصوفة، لن يخدم الأمة في شيء، بل لن يزيدها إلا جراحًا على جراح، وشرخًا في وحدتها، وتعميقًا لحالة الاستقطاب والانقسام.

كما نلفت الجهات المسؤولة إلى ضرورة الاضطلاع بمسؤولياتها تجاه هذه الخطابات المؤجِّجة، بالتصدي لها بحزم، وكبح جماحها قبل أن تتحول إلى فتنةٍ عمياء نحن في غنى عنها، والعمل على تجريم كل من يسعى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي أو بث الكراهية عبر وسائل التواصل، وذلك بتفعيل أنظمة الجرائم المعلوماتية وتطبيقها بعدلٍ وحزم.

فالفتنة نائمة… لعن الله من أيقظها.

اللهم إني قد بلّغت، فاشهد.

‫شاهد أيضًا‬

السودان بين ثلاث جبهات

في ذكرى السادس من أبريل، أعاد الرئيس عبد الفتاح البرهان، التأكيد على رسوخ التجربة السوداني…