‫الرئيسية‬ مقالات عذرا يا الزين
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

عذرا يا الزين

محجوب أبوالقاسم

تصبح الأخبار أكثر حساسية في أوقات الأزمات وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى قضايا رأى عام تقرأ في بعض الأحيان بعين الغضب لا بعين التحليل وهذا ما حدث مؤخرا مع سعادة السفير الزين إبراهيم سفير السودان لدى إثيوبيا عقب اللقاء الذي جمعه برئيس الطيران المدني الإثيوبي في أديس أبابا والذي خصص لمعالجة ملف نقل العمالة الإثيوبية عبر الترانزيت وهو الملف الذي كان قد تم إيقافه سابقا من الجانب الإثيوبي.

 

 

ردود الفعل التي أعقبت اللقاء لم تكن عادية بل حملت قدرا كبيرا من الاستغراب بل والرفض انطلاقا من واقع سياسي وأمني معقد خاصة في ظل مواقف إثيوبيا وتدخلاتها في الشأن السوداني لا سيما في إقليم النيل الأزرق

وهنا يصبح السؤال مشروعا كيف يمكن التعاطي مع دولة متهمة بمواقف عدائية وفي ذات الوقت يتم الانخراط معها في ترتيبات فنية أو تجارية فاالإجابة كما يكشفها الوقائع أكثر تعقيدا من مجرد موقف عاطفي.

 

فبحسب معلومات موثوقة فإن اللقاء الذي أجراه السفير الزين لم يكن تصرفا فرديا أو اجتهادا شخصيا بل جاء بطلب وتنسيق مع الجهات المختصة في السودان وعلى رأسها سلطة الطيران المدني وذلك بهدف معالجة ملف عالق له أبعاد اقتصادية وخدمية تمس مصالح الدولة بشكل مباشر.

 

هنا لا بد من التمييز وهو تمييز بالغ الأهمية بين مستويات التعامل المختلفة فهناك العمل الدبلوماسي الذي تحكمه قواعد ومصالح وهناك العمل التجاري الذي يخضع لحسابات الربح والخسارة وهناك بطبيعة الحال المواقف السياسية والأمنية التي تدار في مسارات أخرى فالخلط بين هذه المستويات قد يقود إلى استنتاجات خاطئة ويضعف من قدرة الدولة على إدارة مصالحها بمرونة وواقعية ، فالطيران المدني الإثيوبي كما هو معلوم يعمل بعقلية تجارية بحتة بعيدة عن التعقيدات السياسية وهو ما يجعل من التعاطي معه في هذا الإطار أمرا طبيعيا في عرف العلاقات الدولية حتى بين الدول التي تمر بتوترات سياسية.

 

وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل الواقع الميداني في السودان حيث يعيش البلد وضع مأساوي نتيجة ما دمرته المليشيا من بنى تحتية حيوية وعلى رأسها مطار الخرطوم الذي يمثل شريانا رئيسيا لحركة البلاد وانفتاحها على العالم ورغم حجم الدمار تظل الإرادة قائمة لإعادته إلى الخدمة وتشير معلوماتي إلى إمكانية استئناف استقبال الرحلات الدولية في الغالب بعد عيد الأضحى المبارك

وإلى أن يتحقق ذلك تبرز الحاجة العملية لإيجاد بدائل مرحلية تضمن استمرار حركة السفر والاتصال الخارجي سواء لأغراض إنسانية أو اقتصادية.

 

ومن هنا يصبح الاعتماد على محطات إقليمية للانطلاق الدولي ومن بينها المطارات الإثيوبية خيارا واقعيا تمليه الضرورة لا المواقف السياسيةوهو ما يعيد وضع التحرك الدبلوماسي في إطاره الصحيح فالدول لا تدار بالعواطف بل بالمصالح وهذه قاعدة راسخة في علم السياسة.

 

أما عن السفير الزين فإن سيرته المهنية تشهد له بالانضباط والعمل المؤسسي وهو ما ينسجم مع طبيعة التحرك الذي قام به فالرجل لم يخرج عن الخط العام ولم يتجاوز صلاحياته بل تحرك ضمن رؤية تهدف إلى معالجة ملف محدد يخدم مصلحة السودان.

 

إن ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى هو التروي في إصدار الأحكام والنظر إلى الصورة الكاملة قبل التفاعل مع جزء منها فالدفاع عن السيادة الوطنية لا يتناقض مع إدارة المصالح بل إن حسن إدارة المصالح هو أحد أهم أدوات حماية السيادة.

 

نعم من حقنا أن نغضب وأن نرفض أي تدخل خارجي يمس أمننا القومي لكن من واجبنا أيضا أن نحسن التقدير وألا نحمل كل تحرك دبلوماسي أكثر مما يحتمل فالدولة التي تنغلق على نفسها تفقد قدرتها على المناورة وتهدر فرصا قد تكون حاسمة في معركة البقاء.

 

في النهاية تبقى الرسالة الأهم دعم كل ما يحفظ سيادة السودان وأمنه وكرامته مع إدراك أن أدوات هذا الدعم متعددة وأن الدبلوماسية حين تدار بعقلانية ليست تنازلا بل قوة ناعمة تكمل بقية أدوات الدولة.

 

ولنا عودة

‫شاهد أيضًا‬

السودان بين ثلاث جبهات

في ذكرى السادس من أبريل، أعاد الرئيس عبد الفتاح البرهان، التأكيد على رسوخ التجربة السوداني…