‫الرئيسية‬ مقالات ما بين إدارة الأزمات وبناء الدولة
مقالات - ‫‫‫‏‫4 ساعات مضت‬

ما بين إدارة الأزمات وبناء الدولة

حسن النخلي يكتب التحليق وسط الزحام

هناك فرق جوهري، وإن بدا دقيقاً للوهلة الأولى، بين من يُدير الأزمة ومن يبني الدولة. الأول يطفئ الحريق، والثاني يمنع اشتعاله. الأول يتعامل مع الأعراض، والثاني يعالج الجذور. والمأساة الكبرى أن معظم الدول التي تنشأ في أعقاب الحروب أو الاستقلال تتقن الأولى وتفشل في الثانية، ثم تتساءل بعد عقود: لماذا ھذا حالنا ؟برغم أننا لاينقصنا شئ “التأريخ” “الجفرافيا ” “الموارد” ولكننا لا نملك المستقبل ولم نتحرك إلى الأمام؟

والأجابة تكمن في الآتي ومايجادل فيھا إلا ختار .

 

*أولاً: منطق إدارة الأزمات*

 

إدارة الأزمات عقلية طوارئ. تقوم على ثلاثة أركان: السرعة، الحسم، والحد الأدنى من التوافق. حين ينهار الأمن، أو تنفجر أزمة اقتصادية، أو ينشب تمرد مسلح، تظهر هذه العقلية بوصفها ضرورة لا خياراً. القائد فيها لا يُسأل عن رؤيته لعشر سنوات قادمة، بل عن قدرته على وقف النزيف اليوم.

 

هذه العقلية تفضل المؤسسات ذات التسلسل الصارم: الجيش، الأجهزة الأمنية، اللجان الفنية. وتفضل الحلول المؤقتة: هدنة بدل سلام، مسكنات اقتصادية بدل إصلاح هيكلي، تعيينات ترضية بدل كفاءة. وخطابها يقوم على مفردات “الاستقرار”، “الوحدة”، “العبور بالمرحلة”.

 

ليست إدارة الأزمات شراً في ذاتها؛ بل هي أحياناً الشرط الوحيد لبقاء الدولة. لكن خطورتها تكمن حين تتحول من مرحلة إلى منهج، ومن استثناء إلى قاعدة. عندها يصبح كل تحدٍّ جديد “أزمة طارئة”، وكل معارض “مهدداً للاستقرار”، وكل سؤال عن المستقبل “ترفاً لا يحتمله الظرف”.

 

*ثانياً: منطق بناء الدولة*

 

بناء الدولة عقلية تأسيس. لا يهمها من يفوز اليوم، بل من يضمن أن يكون هناك “لعبة” بعد عشرين سنة. تقوم على أربعة أركان: الشرعية، المؤسسات، العقد الاجتماعي، والزمن الطويل.

 

– *الشرعية* هنا لا تعني القوة، بل القبول الطوعي. أن يرى المواطن في الدولة شيئاً يخصه، لا جهازاً فوقه.

– *المؤسسات* ليست الأشخاص. القاضي يبقى قاضياً حتى لو تغير الرئيس، والموظف يخدم القانون لا الحاكم.

– *العقد الاجتماعي* هو الاتفاق الضمني: ماذا أعطي للدولة وماذا آخذ منها؟ من دون هذا الاتفاق تتحول الضرائب إلى جباية، والخدمة العسكرية إلى سخرة، والقانون إلى تهديد.

– *الزمن الطويل* هو أن تبني مدرسة لا تعرف اسم الوزير الذي سيفتتحها، وأن تضع دستوراً لا تعرف من سيفوز بأول انتخابات بعده.

 

بناء الدولة بطيء، ممل، بلا بطولات لحظية. لذلك لا يحبه السياسي الذي يريد نتيجة قبل نهاية ولايته، ولا يحبه العسكري الذي تعوّد أن الأمر يُنفذ فوراً.

 

*ثالثاً: المأزق السوداني — حين تسكن الأزمة في القصر*

 

السودان مثال صارخ على دولة عاشت معظم عمرها في منطقة رمادية بين المنطقين. منذ الاستقلال (1956) وإلى اليوم، مرّ بأطوار قصيرة من بناء الدولة (التعليم، الخدمة المدنية في الستينات) ثم انقلب إلى إدارة أزمات طويلة (انقلابات، حروب أهلية، عقوبات، انقسامات).

 

النتيجة: مؤسسات قوية في الشكل، هشة في المضمون. جيش يستطيع أن يمسك العاصمة في 24 ساعة، لكنه لا يستطيع أن يضمن حياد القضاء. خدمة مدنية قديمة ومدربة، لكنها مكبلة بقرارات لحظية. أحزاب لها تاريخ نضالي، لكنها لم تحوّل هذا التاريخ إلى برامج حكم.

 

والأخطر: أن “إدارة الأزمة” صارت ثقافة. كل حكومة تأتي تقول إنها انتقالية، وكل انتقال يطول حتى ينسى الناس إلى أين كانوا منتقلين. المواطن يتعود أن يسأل: “من سيؤمّن الرغيف غداً؟” بدل أن يسأل: “من سيبني نظاماً يجعل الرغيف متوفراً دائماً؟”

 

*رابعاً: لماذا يفشل الانتقال من الأولى إلى الثانية؟*

 

1. *لأن إدارة الأزمات تنتج مستفيدين منها.* هناك شبكات كاملة — سياسية واقتصادية وأمنية — يصبح بقاؤها مرهوناً ببقاء الأزمة. السلام الدائم يهدد امتيازاتها.

2. *لأن بناء الدولة يتطلب تنازلاً طوعياً عن السلطة.* الحاكم الذي أدار الأزمة بالقوة يصعب عليه أن يسلم أدواته لمؤسسة قد تحاسبه غداً.

3. *لأن الشعب المنهك يفضل الحل السريع.* بعد سنوات من الخوف والجوع، يصبح شعار “الأمن أولاً” أقوى من شعار “العدالة أولاً”، حتى لو كان الأمن مؤقتاً.

 

*وبحسب وجھة نظر التحليق فإن الخروج من ھذة الدائرة

لا يكون بخطاب حماسي، بل بتغيير السؤال نفسه. السؤال ليس “من يحكم الآن؟” بل “كيف نحكم بعد عشر سنوات حتى لو اختلفنا على من يحكم؟”

 

مما يعني تحويل ملف السلام من “اتفاق تقاسم سلطة” إلى “إعادة تعريف الجيش والدولة”و تحويل الاقتصاد من “دعم السلع” إلى “إنتاج وفرص لتتحويل السياسة من “من معنا ومن ضدنا” إلى “ما القواعد التي نقبلها جميعاً حتى لو خسرنا”.لتعيش الاجيال القادمة في سلام ونمكنھا من بناء الدولة لا لتورث الازمات .

 

فإدارة الأزمات تُبقيك حياً وبناء الدولة يجعلك تستحق الحياة.

 

والفرق بينهما هو الفرق بين أن تسكن في خيمة في معسكرات لجؤ لأن بيتك احترق، وأن تبني بيتاً لا تحرقه أول شرارة.

 

اللھم قد بلغت اللھم فأشھد.

حفظ الله البلاد والعباد.

جيش واحد شعب واحد.

ودمتم سالمين ولوطني سلام.

الاربعاء/ 8ابريل /2026

‫شاهد أيضًا‬

إسناد تحذر من سلوكيات الامتحانات وتدعو لدعم نفسي متوازن للطلاب

شاركت الدكتورة نعيمة محمد عبدالله رئيسة لجنة التعليم بجمعية إسناد لدعم المتضررين بالحروب و…