نصر طهران وخيبة واشنطن المدوية..!!
رمضان محجوب

■ فور المواجهة المباشرة مع النظام الإيراني، وضعت إدارتا ترامب ونتنياهو أهدافاً “ناطحة للسحاب” حينما قررتا -عبر حملة عسكرية- تحقيق “تقويض البرنامج النووي والصاروخي وفك ارتباط طهران بحلفائها في المنطقة”، بل ذهب الوعيد إلى حد التهديد بإعادة تلك البلاد للعصور الحجرية وتدمير بنيتها الأساسية، وقدّمتا شروطاً قاسية لوقف إطلاق النار بلغت خمسة عشر بنداً، ظنّاً منهما أن حسم المعركة بات وشيكاً ومضموناً.
■ في المقابل، وقفت إيران التي لم تبدأ بالعدوان لتحدد أهدافها الدفاعية بدقة متناهية، فركزت على استهداف العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، مع استخدام ورقة النفط والتهديد بإغلاق مضيقي هرمز وباب المندب، واشترطت أن يشمل أي اتفاق لوقف القتال حلفاءها في العراق ولبنان واليمن؛ في تحدٍّ واضح لإرادة القوى الكبرى التي أرادت الاستفراد بكل جبهة على حدة.
■ الناظر لميدان المعركة يجد أن المعتدين استهدفوا الصف الأول من القيادة الإيرانية وحققوا سيادة جوية واسعة، لكن هذا الهجوم المركز لم يكسر إرادة النظام الذي سارع بترميم صفوفه وإحلال قيادات بديلة حافظت على تماسك الجبهة الداخلية، بل وأفشلت كل محاولات إثارة القلاقل وخلق بؤر انشقاق، مما أكد أن البناء المؤسسي الإيراني ظل متماسكاً “كالطود العظيم” رغم العواصف العاتية التي ضربته.
■ إيران أدارت معركة نيران إقليمية واسعة النطاق، جعلت الصواريخ تطال مناطق عديدة في الداخل الإسرائيلي، وأجبرت قوات الناتو على الانسحاب من شمال العراق، بل وأربكت هيبة الأسطول الخامس الأمريكي؛ في رسالة مفادها أن القواعد الأمريكية في المنطقة أصبحت في مرمى النيران، وأن الرد الإيراني قادر على الوصول إلى أبعد مما يتصوره القادة العسكريون في “البنتاغون”.
■ لعل المتابع للشأن السياسي يرى كيف نجحت طهران في السيطرة الكاملة على مضيق هرمز، وفرضت رسوم عبور، بل ودفع ذلك واشنطن إلى التغاضي عن تصدير ملايين البراميل من النفط الإيراني أثناء الحرب؛ لتضمن استقرار إمدادات الطاقة وتمنع انفجار الأسعار عالمياً، وهو ما يثبت أن الضغوط التي أرادوها لإيران ارتدت عليهم، وأصبح المرور في المضيق يتطلب تنسيقاً مباشراً مع السلطات الإيرانية.
■ لم تتوقف القدرة الإيرانية عند الدفاع الساكن، بل طالت منظومات الدفاع الجوي الأمريكية المتطورة وأسقطت طائرات مأهولة ومسيرة، ورغم الدمار الذي طال بعض دفاعاتها، إلا أن صواريخها ظلت تنطلق نحو أهدافها دون انقطاع، مما أكد للعالم أن القوة العسكرية الإيرانية ما زالت تحتفظ بفاعليتها، ولم يفلح القصف في انتزاع أي تنازلات جديدة بشأن التخصيب والصناعات النووية السلمية.
■ “وحدة الساحات” لم تكن مجرد شعار سياسي، بل واقعاً ميدانياً شاهده الجميع بدخول الحلفاء في العراق ولبنان واليمن لساحة المواجهة، مما زاد من وتيرة الاستنزاف للجانبين الأمريكي والإسرائيلي، وأثبت أن محور المقاومة يمثل جبهة موحدة في الشدائد، وأن التصعيد يمكن أن يبلغ مديات لا تتحملها حسابات تل أبيب ولا التوازنات السياسية والانتخابية في واشنطن.
■ دبلوماسية “اللحظة الأخيرة” كشفت المستور؛ فمن هول الضغوط الميدانية سارعت الإدارة الأمريكية للبحث عن وساطات إقليمية، بينما تريثت إيران في الاستجابة، مما يشير بوضوح إلى أن الرئيس ترامب كان يبحث عن مخرج ينهي مأزق انتهاء مهلته الزمنية التي لم تجد صدىً لدى طهران، فاضطر في نهاية المطاف للتعاطي مع مقترح الوساطة الباكستانية بشكل عاجل.
■ الغريب في الأمر أن ترامب -المعروف بتشدده- أعلن صراحة أن بنود إيران العشرة هي “أساس جيد” للتفاوض، متجاهلاً بنوده الخمسة عشر التي ظلت حبيسة الأوراق، وهذا التراجع يمثل تحولاً كبيراً في الموقف الأمريكي واعترافاً ضمنياً بأن لغة القوة لم تنجح في فرض الإرادة على الطرف الآخر، بل وضعت الرؤية الإيرانية في موقع الند للخطط الأمريكية والإسرائيلية.
■ وقف إطلاق النار الذي شمل اليمن ولبنان يمثل مكسباً استراتيجياً لطهران، فهو يثبت أن الحلفاء يمثلون جزءاً أصيلاً من عملية التفاوض، وأن أمن المنطقة وحدة لا تتجزأ، وهذا الشر بالتحديد يمثل عائقاً أمام الأهداف الإسرائيلية التي كانت تسعى لعزل القوى الإقليمية المتحالفة مع إيران عن المشهد السياسي والعسكري العام.
■ ستغير هذه الحرب وجه المنطقة بشكل جذري، فما حدث في الميدان وما يدور في غرف المفاوضات بـ “إسلام آباد” يرسم خارطة جديدة، فمن كان يظن أن النفوذ الإيراني سيتراجع، وجد نفسه أمام قوة إقليمية استطاعت الصمود وفرضت نفسها كلاعب لا يمكن تجاوزه، مما يضع المستقبل السياسي لنتنياهو وترامب أمام تحديات كبرى واختبارات قاسية.
■ الانتصار في الحروب ليس مجرد إحصاء للخسائر المادية، فصحيح أن إيران تضررت في بنيتها التحتية وفقدت قادة كباراً، لكن الربح الحقيقي يكمن في القدرة على الثبات وفرض الشروط عند النهاية، وما نلمسه الآن هو “نصر استراتيجي” تحقق بالصبر والمواجهة، وسينعكس أثره حتى على الدول المجاورة التي كانت تنظر لطهران كتهديد دائم.
■ يقع على عاتق طهران الآن عبء كبير لاستعادة الثقة مع جيرانها الذين تأثروا بتداعيات هذه الحرب، فترميم العلاقات الإقليمية وبناء توازنات جديدة يحتاج لجهد دبلوماسي مضاعف، خاصة وأن المنطقة تعيش حالة من عدم الاستقرار، والهدنة الحالية تمثل فرصة لتقييم المواقف قبل أن تتحدد ملامح المرحلة القادمة بشكل نهائي.
■ ما يزال الوقت مبكراً للحديث عن النتائج النهائية لهذه المواجهة الإقليمية الكبرى، لكن المؤكد أن الجغرافيا والتاريخ يظلان هما المحرك الأساسي للأحداث، فالإرث الحضاري للشعوب لا يمكن محوه بالعمليات العسكرية، فالحرب التي أرادوها نهاية للنفوذ الإيراني قد تصبح بداية لواقع إقليمي مختلف تماماً عما رسمته المخططات الغربية.
■ عموماً، تبقى العبرة بقدرة الأطراف على الالتزام بالاتفاقات المبرمة، فالأيام القادمة في مفاوضات باكستان هي المحك الحقيقي لصدق النوايا، ونسأل الله أن يحفظ بلاد المسلمين وأهلها في كل مكان من شرور الفتن والمحن، ويجنب منطقتنا ويلات الحروب التي لا تترك وراءها سوى الدمار والخراب.
إسناد تحذر من سلوكيات الامتحانات وتدعو لدعم نفسي متوازن للطلاب
شاركت الدكتورة نعيمة محمد عبدالله رئيسة لجنة التعليم بجمعية إسناد لدعم المتضررين بالحروب و…





