بناء الدولة على النهج النبوي
حسن النخلي يكتب التحليق وسط الزحام

إن السيف لم يكن ولن يكون في يوم من الأيام أصدق من الكتب، بل يصدق الكتب ويصير حارساً للوثيقة والعهد، وحارساً لمنع الفوضى والخيانة. فالسلاح لا يُشهر إلا بعد غدر أو تمرد، والخروج عن الجماعة يوجب القتال، والاعتداء على المصالح حرب بلا شك، ووقف لمسيرة الحياة، ودعوة للهلاك.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: 39-40]. انظر: هم لم يعتدوا بل اعتُدي عليهم، فوقع الظلم عليهم، وتعهد الله بنصرهم، وأكد أنهم أهل الإيمان والتوحيد فهم في المعية.
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]. فوضع الله سنة التدافع لتبقى الحياة، فلا تُفنى جماعة وتُستضعف، وسيظل هناك من يدافع عن المظلومين وإن لم يكن على شريعتهم. فذلك التدافع سنة الله في خلقه لبقاء الجنس البشري، فلا قوة مطلقة كما يتوهم البعض، إنما هو تدافع ومصالح تقوم لا بحد السيف فقط، إنما لإكمال نقص وسد حاجة، وتلك في مجملها قيم مادية تحافظ على القيم الأخلاقية وتوحيد الله وعبادته.
وختمت آية القتال أن الله ينصر من يشاء لحكمة اقتضاها، وهو القاهر فوق عباده، وله الأمر بقوة وحكمة. والنصر أوجبه الله على نفسه لمن اتبع الحق وعمل به: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ أي تتبعوا نهجه وترضون بحكمه.
وتلا ذلك ترتيباً نزل في كتاب الله ليبين لنا أن بعد رد الظلم — وهي مرحلة إدارة الأزمة — انتقل القائد النبي لتأسيس الدولة: المنهاج المدعوم بالقوة لا القوة التي تسبق المناهج. فكانت البينات داعمة للكتاب والميزان لإقامة العدل وحمايته بالسلاح: *﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾* [الحديد: 25].
فكان الكتاب والميزان أولاً ليقوم الناس بالقسط. ثم الحديد، لتُبنى الدولة بالعهد لا بالسيف.
فالنبي القائد لم يبدأ بالسيف إلا كُرهاً مع أنه كان أشجع من حمله. بل بدأ بما سماه الله قبل الحديد: *أبرم وثيقةً وعهداً — “صحيفة المدينة”*. كتب فيها ما يخاف منه الجميع: دماؤكم حرام بينكم، ونصرتكم واحدة على من غزا المدينة، ودينكم لكم، ومرجعكم عند التنازع واحد. ويكون بذلك قد وحّد الجبهة الداخلية في المدينة وأبرم ميثاقاً وعهداً آمن فيه الجمع، ولم يستعدِ النبي من لم يعاده.
ثم وزّع الوظيفة: قضاة يفتون، ولاة يحكمون، كتّاب يكتبون، جباة يجمعون. وصنع مصلحة مشتركة وهي رتق النسيج الاجتماعي: المؤاخاة ربطت الاقتصاد قبل العاطفة. وجعل القانون يسبق الجميع: *«لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»*.
هذه الدولة قامت قبل بدر، وقبل أحد، وقبل الخندق. قامت يوم وُقّع العهد وقام الميزان. *ببعد النظر* حين تفهم أن العقد الذي تكتبه اليوم يوفر دماً لن يراق غداً.
فعندما أعلن القائد القتال كانت هنالك أسباب اقتضت ذلك، فالقتال لم يُعلن إلا بعد أن خُرق العهد، أو مُنع القسط، أو أُوقف مسيرة الحياة:
فعندما غدر يهود بنو قريظة وخانوا العهد يوم الأحزاب وفتحوا ظهور المسلمين للعدو، هنا صار الحديد حارساً للوثيقة. لم يُشهر ليفرضها، بل ليحاسب من غدر بها. وبعد التمرد ومنع الحق العام الذي قام به مانعو الزكاة بعد وفاته، لم يقاتلهم أبو بكر لأنهم تركوا الصلاة، بل لأنهم كسروا الميزان الذي يقوم به القسط (الزكاة حق الفقير في مال الغني). التمرد على الميزان وخروج على الجماعة أوجب القتال. وبعد الاعتداء على المصالح، غزوة بدر لم تكن ابتداءً، كانت رداً على مصادرة قريش لأموال المهاجرين وطردهم وتهديدهم لمسيرة الدعوة والحياة. الاعتداء على المصالح حرب بلا شك.
السيف لم يُشهر ليُدخل الناس في الدين، ولا ليفرض الصحيفة. أُشهر حين صار الغدر أو التمرد أو العدوان وقفاً لمسيرة الحياة ودعوة للهلاك.
ولم تقتصر الحرب على النبي على القتال والإخراج والظلم، بل كانت هنالك حرب إعلامية. فكان رد النبي القائد على الشائعات والإعلام المضاد بياناً بالعمل. فبينما كان الإعلام المعادي موجوداً ويردد: “محمد يفرق بين المرء وأهله”، “لو كان نبياً ما جاع أصحابه”، “هزم في أحد فانتهى أمره”، لم يكن الرد بمنع الكلام ولا بملاحقة كل قائل.
إنما كان الرد بالميزان لا بالسيف:
– فبعد أحد، نزل القرآن يقرأ الواقعة بصراحة: أخطأتم المواقع، عصيتم الأمر، فهزمتم. ثم أخرجهم من الغد لحمراء الأسد. الواقع كذّب الشائعة لا البيان.
– في حادثة الإفك، لم يقطع ألسنة الناس، انتظر الوحي، وأقام الحد على من ثبت قذفه بالبينة. جعل الميزان (القضاء) هو الذي يتكلم.
– لم يجعل الدولة متحدثاً واحداً: كان كل والٍ وقاضٍ يتصرف في موضعه، فيرى الناس الدولة تمشي، لا تسمعهم خطباً عنها.
الإعلام المثبط يموت حين يرى الناس وثيقةً أو عهداً معمولاً بها، وميزاناً يطال الجميع، ومصالح لا تتوقف. ويموت حين يفتح القائد باب العودة لمن ألقى السلاح والتزم بالعهد بلا إذلال.
فلم تقم الدولة بحد السيف بل قامت بالكتاب والميزان. ثم نزل الحديد فيه *بأس شديد ومنافع للناس* — بأس على من غدر أو تمرد أو اعتدى، ومنافع للناس لأن الحديد الذي يحرس الميزان يمنع أن يصير القوي قانون نفسه.
لو كانت بحد السيف لما بقيت بعد موته ﷺ بسنة واحدة. بقيت لأن الوظيفة موزعة، والقانون فوق الجميع، والعهد مكتوب.
فبحسب وجهة نظر التحليق فإن النهج النبوي ليس قصة شجاعة فحسب، بل *نهج رباني*: أبرم وثيقةً أو عهداً أولاً، وأقم الميزان، ووزع الوظيفة، واصنع المصلحة، ثم أنزل الحديد حارساً لا حاكماً. والقتال لا يُعلن إلا بعد غدر أو تمرد أو اعتداء على المصالح لأنه حينها وقف لمسيرة الحياة.
ومن قلب هذا الترتيب وجعل الحديد قبل الكتاب — لم يبنِ دولة ولو انتصر في كل معركة. ومن التزم به، بنى دولة ليبقى الدستور موجهاً للسيف ومنتصراً به، فالسيف بلا وثيقة يموت مع صاحبه، ويبقى العود ما بقي اللحاء.
وصل اللھم علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين ولوطني سلام.
الجمعة /10ابريل /2026
السودان بين هشاشة الانتقال وصراع الرؤى: لماذا تعثر المسار الديمقراطي؟
منذ استقلال السودان عام 1956، ظل المسار السياسي يتأرجح بين محاولات ديمقراطية قصيرة العمر و…





