‫الرئيسية‬ سياسة السودان بين هشاشة الانتقال وصراع الرؤى: لماذا تعثر المسار الديمقراطي؟
سياسة - ‫‫‫‏‫دقيقة واحدة مضت‬

السودان بين هشاشة الانتقال وصراع الرؤى: لماذا تعثر المسار الديمقراطي؟

عمرو خان  كاتب وباحث في الشؤون الإفريقية

منذ استقلال السودان عام 1956، ظل المسار السياسي يتأرجح بين محاولات ديمقراطية قصيرة العمر وانقطاعات حادة بفعل الانقلابات والصراعات الداخلية. ومع تصاعد الأحداث وصولًا إلى إعلان قوات الدعم السريع التمرد ضد القوات المسلحة السودانية، تبدو الأزمة وكأنها امتداد طبيعي لاختلالات بنيوية عميقة، لم تُعالج جذورها بقدر ما تم الالتفاف حولها مرحليًا.

يبدو أن أحد الأسباب الرئيسية لتعثر المسار السياسي الديمقراطي في التاريخ السوداني يتمثل في ثلاثة عوامل مترابطة. أولها أن معظم عمليات الانتقال السياسي التي شهدها السودان عقب الاستقلال جاءت انتقالات هشة، أعقبت ثورات أو انقلابات، حيث انشغلت القوى السياسية بالصراع لإثبات الأفضلية والجدارة، بدلًا من التوافق على مشروع وطني جامع. هذا التناحر المستمر أضعف فرص بناء دولة مستقرة، وأهدر طاقات كان يمكن توجيهها نحو ترسيخ الديمقراطية.

أما العامل الثاني، فيكمن في أن الاقتصاد السوداني ظل منهكًا على نحو مزمن، نتيجة عدم الاستقرار السياسي المتكرر من جهة، وتأثير العقوبات الاقتصادية طويلة الأمد من جهة أخرى. وقد أدى ذلك إلى إضعاف قدرة الدولة على تحقيق التنمية، وربط الاستقرار السياسي دومًا بقدرتها المحدودة على تلبية احتياجات المواطنين، لتصبح الأزمات الاقتصادية وقودًا دائمًا للاضطراب السياسي.

ويأتي العامل الثالث في صورة صراع واضح بين منطق “الإصلاح الدولي” ومنطق “العدالة الاجتماعية”، حيث انشغلت النخب السياسية في جدل نظري طويل حول المسارات الاقتصادية والسياسية، في وقت كانت فيه الدولة بحاجة إلى حلول عملية عاجلة. هذا الجدل، رغم أهميته الفكرية، تحول في السياق السوداني إلى نوع من الترف السياسي غير المقبول، في ظل واقع يفرض أولويات أكثر إلحاحًا، فتاهت المقاصد في دوامات المعاني والإشكاليات النظرية.

 

هكذا، تتشابك هذه العوامل لتُنتج حالة من التعثر المستمر، حيث تضيع الأهداف الكبرى وسط صراعات النخب، وضغوط الاقتصاد، وتناقض الرؤى. وهو ما يجعل أي محاولة لبناء مسار ديمقراطي مستدام في السودان مرهونة بإعادة ترتيب الأولويات، والانحياز إلى مشروع وطني جامع يتجاوز الحسابات الضيقة، ويضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار.

 

‫شاهد أيضًا‬

وزارة الخارجية : مذكرة برلين عميقة الأثر..

تمضي وزارة الخارجية واثقة الخطى نحو ما يعيد للسودان هيبته وحضوره وسيادته التي سعت وتسعى ال…