‫الرئيسية‬ مقالات سياحة في رحاب آية
مقالات - ‫‫‫‏‫4 أيام مضت‬

سياحة في رحاب آية

حسن النخلي يكتب التحليق وسط الزحام

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذكر وأنثي وجعلناكم وَاحِدَةٍ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]*

 

هذا ليس خطاباً سياسياً. بل أمر رباني ومنهج حياة وجب على الناس اتباعه، وعلى الدولة التأصيل له دستوراً وقانوناً. لرد الاعتبار للإنسان، فلا تفاضل إلا بالتقوى. وبتطبيق النهج الرباني تكون المفازة في الدارين ، وإلا فنحن كمن يرجو النجاة ولا يسلك مسالكها: وهل تسير سفينة على اليبس؟

 

فحين يشير الخالق أن البشر من نفس واحدة هي آدم عليه السلام، ويوضح الحديث: *”لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم أو ليكونن أهون عند الله من الجعلان”*، يسقط كل معيار وضعي للتمييز. مهمة الدولة حماية هذا الأمر، ومهمة المجتمع تطبيقه.

 

السودان ابتُلي حين خالفنا المنهج. جعلنا النسب جواز مرور، والجهة صك غفران، واللون حكماً مسبقاً. فانكسرت الثقة وتعطل الإبداع. العودة تبدأ برد الاعتبار للآية والحديث، وتحويلهما من تلاوة إلى سلوك.

 

*أولاً: لماذا التعارف يصنع الإبداع؟*

 

*1. الأصل واحد والتراب متنوع*

الأب واحد، لكن التراب الذي مشينا عليه تنوع. تنوع التراب أفرز ألوانا ولهجاتن وخبرات مختلفة . فالتفاخر بالنسب جهل بالأصل، واحتقار التنوع جهل بالحكمة. فالفخر بالتقوى، والتقوى عمل. والعمل يبني الدول.

 

*2. التعارف يوجب الرحمة*

لا تعرف إنساناً إلا رحمته. والرحمة تمنع الظلم، وتمنع القتل، وتمنع التهميش. إذا عرفت جارك جوعه أوجعك، ومرضه أقض مضجعك. التعارف يذيب القسوة، والقسوة هي وقود الحروب. فارحموا تُرحموا.

 

*3. التعارف من المعرفة والمعرفة نور*

الجهل ظلمة والظلمة تولد الخوف. والخوف يصنع العدو. المعرفة نور، والنور يكشف أن الآخر مثلك: يجوع ويخاف ويحب. حين تعرف كيف يفكر غيرك وكيف يحل مشكلاته، تسقط أوهامك عنه. والعقل إذا استنار أبدع، وإذا أظلم قتل. فاجعلوا التعارف مصابيح في طريق الوطن.

 

*4. التعارف يخصب الفكرة*

الجديد ابن تلاقح خبرتين. قھوة الشرق مع إيقاع الغرب. وحكمة الشيوخ مع جرأة الشباب. هذا هو الإبداع.

 

*5. التعارف يحصن الجماعة*

المجتمع الذي يعرف بعضه يحمي بعضه. التعارف شبكة أمان، والعصبية حبل مشنقة.

 

*ثانياً: كيف نؤصل للآية والحديث؟*

 

*1. دستورياً وقانونياً*

– نص دستوري: “المواطنة أساس الحقوق. لا تمييز بسبب العرق أو الجهة أو القبيلة. معيار المفاضلة هو التقوى: الكفاءة والنزاهة والإتقان”.

– قانون “حماية التعارف”: يجرّم كل خطاب أو إجراء يرسخ العصبية والتفاخر بالأنساب.

– إلغاء خانة القبيلة من الوثائق الرسمية.

 

*2. اقتصادياً*

– “فريضة الشراكة”: لا تُمنح أرض استثمارية كبرى إلا لشركة بين أبناء ثلاثة أقاليم.

– سوق عمل يحجب الاسم ومكان الميلاد. يظهر الملف المهني فقط. نختار الأتقى في عمله.

– تمويل أولوية للمشاريع المختلطة بيئياً.

 

*3. تعليمياً وثقافياً*

– “منهج لتعارفوا”: يدرّس أن الأصل واحد، وأن آدم من تراب متنوع.

– “هجرة التعارف”: سنة دراسية يقضيها الطالب في ولاية أخرى وھذا يقتضي توحيد المنھج في الوطن .

– إعلام “الأتقى”: يمنع تصنيف الضيوف بقبائلهم. التعريف بالخبرة فقط.

 

*4. إدارياً*

– الخدمة القومية الدوارة: لا يبقى مسؤول في إقليمه أكثر من دورة واحدة.

– حصر الإدارة الأهلية في الصلح فقط. لا سلطة لها على الأرض أو التمثيل.

– قسم الولاء: “أقسم أن ألتزم فأقدم الأتقى في عمله”.

 

*ثالثاً: من المكلف بالتنفيذ؟*

 

*الدولة: الحارس الأمين*

تطبق الأمر الرباني. تسن القانون وتعاقب مخالفه. حيادها عبادة.

 

*المجتمع: الممتثل الطائع*

الامتثال يبدأ منك. زوج على أساس الخلق لا الدم. اشترِ من الأصدق لا الأقرب. الآية خاطبت “الناس” كافة.

 

*النخبة: القدوة الدالة*

تعيش الآية والحديث قبل أن ترددها. تؤسس الشركات المختلطة وترفض التعريف بالقبيلة. وصفها الوحيد: “سوداني”.

 

*الخلاصة*

 

المعيار: التقوى. والتقوى في الدولة تعني: الكفاءة والنزاهة والإتقان والعدل.

الوسيلة: التعارف. والتعارف يعني: الاختلاط والشراكة والرحمة والمعرفة والاحترام.

 

هذا منهج حياة نسأل عنه. إن أصلت له الدولة والتزم به الناس، تحول التنوع من نقمة نحنا جلبانھا لأنفسنا لأنفسنا،ونعيب بعد ذلك الزمان .

 

نغلق باب “من أين أنت؟” ونفتح باب “ماذا تتقن؟”.

نستبدل رابطة الدم برابطة القيمة والإخاء والمواطنة .

نجعل القرآن يمشي في الأسواق، نتعبد به في كل مكان.

 

فكيف نر جو النجاة ونحن لم تسلك مسالكها؟ لعمري إنه لعين الضلال.

حفظ الله البلاد والعباد.

جيش واحد شعب واحد.

ودمتم سالمين ولوطني سلام.

الأثنين/ 13/أبريل/ 2026

‫شاهد أيضًا‬

بى وصولك ودار تسافر…الوداع تكريم وداع لسعادة اللواء الركن طارق سعود…مدير مكتب الرئيس 

الحياة يا محيميد ما فيها غير حاجتين إتنين الصّداقة والمحبة. ما تقول لي لا حسب ولا نسب ولا …