د .طه حسين ..وحملات اغتيال الشخصية الناجحة
رحمة عبدالمنعم

لم يعد الحديث عن اغتيال الشخصيات العامة في المجتمع السوداني أمراً جديداً، فقد تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة لحملات منظمة تستهدف السمعة أكثر من أي شيء آخر، إنها ليست مجرد انتقادات عابرة، بل عمليات ممنهجة تسعى إلى الإقصاء عبر التدمير المعنوي، مستخدمة أدوات حديثة من حسابات وهمية ومحتوى مضلل، تنتشر بسرعة تفوق قدرة الحقيقة على اللحاق بها.
و الحملة التي تعرض لها الدكتور طه حسين، المدير العام لشركة زادنا، كنموذج واضح لما يمكن وصفه بـ”الاغتيال المعنوي”. فالمتابع لخيوط هذه الحملة يلاحظ بوضوح أن عدداً من الحسابات التي قادتها تم إنشاؤها حديثاً، تحديداً في أواخر شهر مارس الماضي، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة هذا النشاط الرقمي وتوقيته وأهدافه.
وبدأت الحملة ضد الدكتور طه حسين، بالهجوم على أغنية “نفع بلدو” التي مجّدت ما قدمه، ثم سرعان ما تحولت إلى مدخل منظم للتشكيك في كفاءته، ثم إلى منصة لإشانة سمعته عبر سيل من الاتهامات الملفقة التي رُوّجت بواسطة حسابات وهمية أُنشئت خصيصاً لهذا الغرض، مما يجعلنا نطرح سؤالاً مشروعاً حول الجهات التي تقف خلف قيادة مثل هذه الحملات، ولماذا يصبح كل ناجح في بلادنا هدفاً مشروعاً للتصفية المعنوية،فالمؤسف أن النجاح في السودان كثيراً ما تكون له فاتورة باهظة، تُدفع من سمعة الإنسان وربما من صحته النفسية، إذ إن الاغتيال المعنوي لا يقل قسوة عن الأذى الجسدي، بل قد يكون أكثر إيلاماً واستدامة، لما يخلّفه من آثار عميقة على الفرد في محيطه المهني والاجتماعي
الدكتور طه حسين تسلم إدارة شركة زادنا في واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ السودان الحديث، في ظل ظروف الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، استطاع أن يقود المؤسسة نحو أدوار استراتيجية، كان أبرزها دعم القوات المسلحة في معركة الكرامة، والمساهمة في تأمين الغذاء للسودانيين، بما أحبط مخططات تجويع الشعب التي راهنت عليها المليشيا.
و شهدت الشركة في عهد الدكتور طه حسين توسعاً ملحوظاً في القطاع الزراعي، من خلال دعم المشاريع الزراعية في عدد من ولايات السودان، إلى جانب تنفيذ مشروعات بنية تحتية شملت انشاء وصيانة الطرق وتأهيل مطاري عطبرة والخرطوم، وإنشاء برج الذهب في عطبرة، فضلاً عن تنفيذ عدد من المراحل في مشروع “زادي ون”،وإطلاق برامج التنمية المتوزانة لتشمل جميع الولايات، وكل ذلك تم دون تحميل الدولة أعباء مالية مباشرة، عبر اعتماد نماذج تمويل مبتكرة قائمة على ما يُعرف بالهندسة المالية، التي برع فيها الرجل.
هذا الأداء لم يمر دون تقدير رسمي، حيث تلقى الدكتور طه إشادات من قيادات الدولة، من نائب رئيس مجلس السياة مالك عقار، وكذلك الفريق مهندس إبراهيم جابر، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي أحدثته هذه التجربة في ظل واقع شديد التعقيد،كما لم تغب المسؤولية المجتمعية عن نشاط الشركة، إذ نفذت برامج واسعة دعمت قطاعات الصحة والتعليم والمياه، وأسهمت في تأهيل المساجد، ورعاية الأسر المتعففة، إلى جانب تسيير قوافل الإغاثة للمتضررين من السيول والأمطار.
ورغم هذا السجل، تعرّض الرجل لحملات تشويه استهدفت كفاءته وأخلاقه، في محاولة واضحة لإسقاطه معنوياً. وهي ظاهرة باتت مألوفة في السودان، حيث يدفع الناجحون ضريبة باهظة من سمعتهم، في ظل بيئة يغذيها ضعف الثقة العامة، وسهولة انتشار الشائعات، وصعوبة التحقق منها..هذه الحملات لا تستهدف الحقيقة بقدر ما تستهدف الشخص ذاته، وهو ما يتجلى في استمرارها رغم ظهور معطيات تستدعي التوقف والمراجعة، فالقضية لم تعد نقاشاً موضوعياً، بل تحولت إلى سلوك إقصائي يعتمد على الفبركة والتأليف، ويستفيد من قابلية المجتمع لتصديق كل ما يُنشر، خاصة في ظل معاناة اقتصادية تجعل المواطن أكثر ميلاً لتصديق روايات التلفيق، دون تمحيص كافٍ.
وقد لخّص استاذنا محمد عبد القادر حالة استهداف الناجحين بدقة في مقال شهير حين قال: “في هذه البلاد لا تكن رأساً فتُبتر، ولكن ذيلاً فتُقهر”، في إشارة إلى أن كل محاولة للتحليق في فضاء النجاح تجعل صاحبها هدفاً سهلاً لبنادق الاتهام.
اليوم تبرز تساؤلات مشروعة حول الكلفة الحقيقية لمثل هذه الحملات، ليس فقط على الأفراد، بل على المؤسسات والدولة ككل. فخسارة كفاءات إدارية واقتصادية في هذا التوقيت الحرج لا يمكن تعويضها بسهولة، خاصة عندما تكون قد أثبتت قدرتها على العمل في أقسى الظروف،وإن مواجهة ظاهرة اغتيال الشخصية لم تعد خياراً، بل ضرورة وطنية، تبدأ بترسيخ ثقافة التحقق، وتعزيز الشفافية، ومساءلة الفضاءات التي تحولت إلى منصات للتضليل.
والمجتمعات التي تسمح بتصفية الناجحين معنوياً، إنما تفتح الباب واسعاً أمام تراجع الكفاءة، وانتصار الرداءة..وفي نهاية المطاف، يبقى القول إن “الشجر المثمر هو من يُقذف بالحجارة”، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة تُكافأ فيها الحملات المضللة، ويُعاقب فيها النجاح.
سهر السودانيين.. أزمة “بيولوجية” تهدد الجيرة والانضباط
في اليوم العالمي للنوم، الذي يرفعه العالم كشعار للصحة النفسية والجسدية، يبدو أننا في المجت…





