‫الرئيسية‬ مقالات التحليق وسط الزحام.. ما بين العرفان والخذلان
مقالات - ‫‫‫‏‫7 دقائق مضت‬

التحليق وسط الزحام.. ما بين العرفان والخذلان

حسن النخلي

من لم يشكر الناس لم يشكر الله. هكذا دأب الخلق في تدبيج شكرهم للغير، سواء كان ذلك الشكر إطراءً بحق أو تملقاً لا يستحقه. وهذه طبيعة البشر: تحب أن تشكر وتُشكر، حتى لو كان الشكر بغير وجه حق. وقد اتخذت الدول ذلك النهج في المجالات البروتوكولية والدبلوماسية، من توجيه الشكر لقيادات دول أخرى، ويمتد الشكر للمنظمات والكيانات العاملة في المجال الإنساني من إغاثة وصحة وتعليم وما إلى ذلك.

 

لكن في الآونة الأخيرة بتنا نرى السودانيين، حكومة وشعباً، يشكرون كل من هبّ ودبّ، بالحق وبالباطل، حتى بات لسان حال الشعب السوداني ومجتمعاته المدنية، بل في كثير من الأحيان أفراده، لا يتوقف عن شكر الدول والمنظمات. بات الكل يشكر الناس حتى تعلقت القلوب بما في أيدي الغير، وأضحى شكرنا أقرب إلى العوز والضعف والتسول والخذلان.

 

فإني ما رأيت ولا سمعت بأمة تلعن حالها وتُثني على غيرها كالأمة السودانية في الآونة الأخيرة. بتنا أمة تركن إلى الكلام أكثر من الفعل، واختلط الحابل بالنابل، وأوقف الجميع مقياس العمل والارتقاء بالذات كمّاً وكيفاً. حصرنا أنفسنا في زاوية الاستجداء الذي غلّفناه بثوب الثناء، والناظر المتأمل لهذا الحال يرى أن في الأمر شيئاً من “حتى”. فهل يُعقل أن تكون أمة بهذا الحال؟

 

نحن لسنا ضد الإقرار بالجميل ولا مع إنكار المعروف. الشكر فضيلة، والعرفان من شيم الكرام. لكن أن يصل بنا الحال إلى أن يكون كل همنا انتظار مساعدة الآخرين وطلب العون والإغاثة فيما يستحق وما لا يستحق، فذلك لعمري هو عين الخذلان.

 

العرفان أن تذكر فضل من أعانك وأنت تسعى. أما الخذلان فهو أن تجعل الشكر مهنة، وتنتظر يد الغير قبل أن تمد يدك أنت. بينهما خيط رفيع اسمه الكرامة. متى ما انقطع هذا الخيط تحولنا من أمة تُعان إلى أمة تُعولھا الأمم وساعتھا نفقد كل النقدير والاحترام ، ومن شعب ينهض إلى شعب يستجدي.

 

فالتحليق في سماوات النجاح لا يكون بكثرة الثناء على دعم الآخرين، بل بنجاحك ولو بعد حين . الشكر واجب، لكن واجب النفس أوجب. فلنشكر من أحسن، ثم نلتفت إلى عملنا. فالأمم لا تُبنى بانتظار دعم الغير، بل بالكد والصبر و الاجتھاد فإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادھا الاجسام .

حفظ الله البلاد والعباد.

جيش واحد شعب واحد.

ودمتم سالمين ولوطني سلام.

الاربعاء/15/ ابريل/ 2026

‫شاهد أيضًا‬

منطق العنف في مرآة الانهيار

ليس العنف مجرد فعلٍ يُرتكب… بل هو لغةٌ عندما تفشل اللغات الأخرى في إنتاج المعنى.   في…