الطيب الجد ود بدر حين يُحاكم التصوف إلى الكتاب والسنة
خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

استمعتُ إلى مقطع فيديو نادر للشيخ الطيب الجد ود بدر – رحمه الله – وهو يتحدث عن التصوف، فاستوقفتني فيه عبارةٌ صريحة تُعيد الأمور إلى أصلها، وتضع حدًا فاصلاً بين الحق والدعوى؛ إذ قرر أن التصوف هو اتباع الكتاب والسنة، ثم مضى يضع ميزانًا لا يقبل التلبيس حين قال: إن من يزعم أنه يمشي على الماء أو يطير في الهواء لا يُقبل قوله لمجرد ذلك، بل يُعرض على الكتاب والسنة، فإن وافقهما قُبل، وإن خالفهما رُدّ عليه.
وهذا الطرح – في حقيقته – ليس مجرد تعريف، بل هو إعادة لهذا الفكر إلى منبعه الصافي الإسلام في نقائه الأول، حيث لا اعتبار لخارقةٍ تُروى، ولا وزن لدعوى تُرفع، ما لم يشهد لها الوحي. ومن هنا، فإن ما يُعرف عند بعض الطرق بـ”التصوف الباطني” القائم على الغلو في الأولياء، أو القول بوحدة الوجود، أو تعليق القلوب بغير الله، لا يمكن أن يُنسب إلى هذا الأصل، بل هو انحرافٌ عنه.
ومع ذلك، فإننا – من باب التحرير العلمي – نتحفظ على إطلاق هذا المعنى باسم “التصوف”، لأن هذا المعنى هو الدين نفسه: كتابٌ وسنة، توحيدٌ واتباع، لا يحتاج إلى مصطلحٍ ملتبس وقد وافق هذا الميزان ما قرره الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله حين قال: “إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة”، فالعبرة ليست بما يُدهش الأبصار، بل بما يستقيم مع الوحي.
ومن المواقف التي تُذكر في هذا السياق – مما يُنقل عن الشيخ الطيب – رحمه الله – – وقوفه مع منهج أهل السنة في مواجهة الانحرافات العقدية، ومن ذلك موقفه من المدّ الرافضي، وما ارتبط به من أنشطة عبر المركز الثقافي الإيراني الذي كان يُبث منه الطعن في صحابة رسول الله ﷺ، ومنهم أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر رضي الله عنهما. ولا شك أن الدفاع عن عرض النبي ﷺ وصحابته أصلٌ من أصول أهل السنة، وقد قال النبي ﷺ: “لا تسبوا أصحابي…” (متفق عليه)، وهو ميزانٌ يضبط هذا الباب ويحفظ للأمة ثوابتها.
كما يُنقل عنه – رحمه الله – أنه أوصى أن يُدفن في مقابر المسلمين، دون أن يُخصّص لنفسه قبةً أو بناءً، كما يفعل بعض قادة الطرق، وهذه وصيةٌ تحمل في طياتها معنى التجرد، وقطع الطريق على الغلو في الأشخاص، وإعادة الاعتبار لمعنى العبودية الخالصة.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن يُقال قد يرى بعض الناس أن للشيخ مواقف أو ممارسات تُحسب ضمن التصوف، ولا نُنكر وجود ما يُذكر في هذا الباب، لكن الذي ذكرناه هنا إنما هو من باب العدل والإنصاف، إذ لا يجوز أن نحجب جانبًا من الحق لوجود جوانب أخرى محل نظر. وقد قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾، فإذا كان العدل مأمورًا به حتى مع المخالف، فمن باب أولى أن يُراعى في حق من يجمعنا به أصل الإسلام.
إن ما سمعناه في ذلك المقطع، وما نُقل من وصيته، يُمثل دعوة صادقة لإعادة الميزان إلى الوحي، وتصحيح المسار، وردّ الناس إلى الأصل الذي لا يضل من تمسك به.
وفي الختام، فإننا ندعو أنصار الشيخ ومحبيه إلى أن يسلكوا طريقه الذي قرره بلسانه لا ما يُنسب إليه بغير بينة؛ أن يتمسكوا بالكتاب والسنة، وأن يجعلوهما الميزان في كل قولٍ وفعل، وألا يحيدوا عن هذا النهج بعد وفاته، فإن العبرة ليست ببقاء الرجال، بل بثبات المنهج كما ندعو المنتسبين إلى التصوف عموما إلى فتح باب الحوار الصادق، في ضوء ما طرحه الشيخ من فهمٍ يُعيد الأمور إلى نصابها، بعيدًا عن الغلو أو التنازع، خاصة في زمنٍ تتعرض فيه مفاهيم الدين لمحاولات استغلالٍ من الخارج، تُراد بها إحداث الفرقة، وإشعال الصراع بين مكونات الأمة، ولا سيما بين التيارات السلفية وغيرها.قال تعالى:﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾، فكيف بأهل القبلة الواحدة؟ ونرجو أن يكون ما قاله الشيخ، وما أوصى به، من دلائل الخير، وأن يرحم من قال كلمة الحق ودلّ عليها.ويبقى الميزان قائمًا لا يختل: كتابٌ يُتلى، وسنةٌ تُتبع، واستقامةٌ لا تغترّ بخارقة، ولا تنخدع بدعوى.
تراجع أسعار الطاقة واختبار جدية الدولة
📌مع إعلان إيران فتح مضيق هرمز، بدأت أسعار الطاقة عالميا في التراجع، مما يؤكد أن الزيادات ا…





