ازدواجية المواقف حين تُدان الزلة ويُغضّ الطرف عن الفتنة
خواطر ابن الفضل د.محمد فضل محمد

ازدواجية المواقف حين تُدان الزلة ويُغضّ الطرف عن الفتنة
قرأتُ بيان مجمع الفقه الإسلامي السوداني بشأن ما صدر من الشيخ موسى البدري، ولا خلاف أن صيانة جناب القرآن أصلٌ قطعي، قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾، وقال سبحانه: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾. غير أن موطن النظر هنا ليس في أصل الإدانة، بل في ميزانها وكيفية تنزيلها على الوقائع.
فما صدر من الشيخ – مع خطئه – كان زلة لسان عارضة، وقد تراجع عنها، ولم يكن تقريرًا لعقيدة ولا طعنًا مقصودًا في الوحي، وأهل السنة يقررون أن الزلات تُبيَّن ولا تُهوَّل، ويُقبل فيها الرجوع، كما قال النبي ﷺ: «كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون».
غير أن الإشكال الأعمق يتمثل في التباين الصارخ في المواقف؛ إذ سارع المجمع إلى الإدانة في واقعةٍ قد رُوجع فيها صاحبها، بينما صمت حين أُطلقت اتهامات خطيرة عبر وسائل التواصل من قِبل الخنجر ومن وافقه من بعض غلاة التصوف، زعموا فيها أن التيار السلفي يقف وراء نبش قبر الشيخ أبو كرجة، وهو خطابٌ يحمل في طيّاته بذور فتنة طائفيةثم تبيّن لاحقًا أن القبر لم يُنبش أصلًا، وأنها دعوى بلا بيّنة، وهنا يشتدّ موطن التساؤل: كيف يُدان خطأٌ قد تراجع عنه صاحبه، ويُسكت عن افتراءٍ كاد يُشعل المجتمع؟!
إن التيار السلفي – بشهادة تاريخه الممتد – معروفٌ بحفظ السلم الاجتماعي، وتعظيم شأن النظام العام، وعدم أخذ القانون باليد، بل إن جماعات أهل السنة في السودان، وعلى رأسها أنصار السنة المحمدية، لها أكثر من مائة عام من الحضور، ولم يُعرف عنها تاريخيًا أنها مارست مثل هذه الأفعال أو تبنّت سلوك الفوضى أو الاعتداء. وهذه حقائق راسخة يعلمها مجمع الفقه الإسلامي السوداني قبل غيره، فلماذا لم يتصدَّ ببيانٍ واضح لاتهامات الخنجر وأعوانه، ويضع حدًا لهذه الدعاوى التي لا تقوم على بيّنة؟ ان الشريعة التي نحتكم إليها لم تأمر فقط بإنكار المنكر، بل أمرت قبله بـالتثبت والعدل، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾، وقال سبحانه: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾، وقال جل وعلا: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾.
إن ترك مثل هذه الاتهامات بلا ردع لا يُعد حيادًا، بل تفريطًا في واجب البيان، وإسهامًا في تغذية الفتنة، بينما المبادرة إلى الإدانة في مواضع أخرى توحي بانتقائيةٍ لا تنسجم مع ميزان الشرع الذي لا يعرف التجزئة.
لقد كنا – ولا نزال – ننتقد الزلات، ونرفض أي مساس بالقرآن، لكننا في المقابل نرفض أن يُختزل ميزان الإنكار في حالاتٍ دون أخرى، لأن العدل لا يتجزأ، ومن فقد العدل فقد المصداقية، ومتى اهتزت المصداقية، لم يعد للبيانات أثرٌ في الناس.
إن المطلوب اليوم ليس فقط تصحيح خطأٍ عابر، بل تصحيح منهج التعاطي: أن يُدان الخطأ حيث كان، وأن يُكشف الافتراء مهما كان قائله، وأن تُحمى وحدة المجتمع كما تُصان ثوابت الدين.
فذلك هو الميزان الذي تقوم به الشريعة، وتُحفظ به المجتمعات، وتبقى به المؤسسات محل ثقة الناس، لا بانتقائيةٍ تُضعفها، ولا بصمتٍ يُفقدها دورها.
رئيس الوزراء يطلع على سير التحضيرات لعقد ملتقى التنمية الاجتماعية في منتصف مايو المقبل
اطلع معالي السيد رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس على سير أداء وزارة الموارد البشرية والرع…




