بين الصفح والحسم… ملامح دولة تستعيد عافيتها
د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها الدول، لا تكون الأحداث مجرد وقائع عابرة، بل تتحول إلى رموز حاملة لمعانٍ عميقة تتجاوز ظاهرها إلى ما تختزنه من رسائل سياسية واجتماعية ووطنية. ومن هذا المنطلق، فإن الاستقبال الذي حظي به النور القبة، وما أحاط به من حفاوة وترحيب، لا يمكن قراءته فقط باعتباره عودة فرد إلى حضن الوطن، بل يجب فهمه كإشارة قوية إلى طبيعة المرحلة التي يعيشها السودان، وإلى الرؤية التي تتبناها قيادته تجاه مستقبل الدولة ووحدة شعبها.
إن هذه العودة، بما حملته من مشهد تصالحي، تؤكد حقيقة جوهرية مفادها أن الوطن لا يزال مشرع الأبواب أمام أبنائه، مهما تباعدت بهم الطرق أو اختلفت بهم المواقف. فالسودان، بتاريخه الممتد وتنوعه الغني، لم يكن يومًا دولة إقصاء أو إلغاء، بل ظل دائمًا فضاءً رحبًا يتسع للجميع، ويمنح الفرصة لكل من يرغب في العودة والمساهمة في البناء. وهذا المعنى يتجسد بوضوح في طريقة الاستقبال، التي حملت في طياتها رسالة طمأنينة لكل من يفكر في مراجعة موقفه والعودة إلى الصف الوطني.
كما أن هذه الخطوة تعكس نهجًا مؤسسيًا تتبناه القوات المسلحة، يقوم على عدم الإقصاء وفتح الباب أمام كل من يختار طريق الوطن بدلًا عن مسارات الصراع. فالمؤسسة العسكرية، بوصفها إحدى ركائز الدولة، لا تنظر إلى الأمور بمنطق الثأر أو الانتقام، بل بمنطق الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها. وهذا النهج يعزز من فرص التماسك الوطني، ويقلل من احتمالات استمرار النزاعات، لأنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن الوطن يسع الجميع، وأن العودة إليه ممكنة ومُرحب بها.
وفي هذا السياق، يبرز دور القيادة العليا، وعلى رأسها القائد العام، الذي يعكس من خلال مواقفه توجهًا قائمًا على الصفح والتسامح، دون تمييز بين أبناء الوطن. فهذا الصفح ليس ضعفًا، بل هو تعبير عن قوة الدولة وثقتها في نفسها، وقدرتها على استيعاب التباينات وتحويلها إلى عناصر قوة بدلًا من أن تكون أسبابًا للفرقة. كما أنه يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المجتمعات الخارجة من النزاعات، حيث لا يمكن تحقيق الاستقرار إلا عبر المصالحة والانفتاح.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل أبناء السودان من هذا المشهد هي أن المرحلة القادمة تتطلب تضافر الجهود، ووضع اليد في اليد، من أجل بناء وطن يليق بتضحيات أبنائه. فالسودان يمتلك من الموارد والإمكانات ما يجعله في مصاف الدول الكبرى، لكنه يحتاج إلى إرادة جماعية تتجاوز الخلافات، وتعمل على تحويل التحديات إلى فرص. وهذا لن يتحقق إلا إذا أدرك الجميع أن المستقبل لا يُبنى بالصراع، بل بالتعاون والعمل المشترك.
وفي المقابل، فإن هذه الرسائل الإيجابية لا تعني التساهل مع محاولات زعزعة الاستقرار أو العودة إلى مربع التمرد. فالدولة، وهي تفتح أبوابها للمصالحة، تحتفظ في الوقت ذاته بحقها في حماية أمنها واستقرارها بكل الوسائل المشروعة. ومن هنا، فإن أي محاولة للتمرد أو الخروج عن النظام لن تجد بيئة حاضنة، بل ستواجه بحزم يعكس إرادة الدولة في فرض سيادتها والحفاظ على وحدتها. وهذه المعادلة – بين الانفتاح والحزم – هي ما يضمن تحقيق التوازن المطلوب في هذه المرحلة الحساسة.
إن التجارب الدولية تثبت أن الدول التي تنجح في تجاوز أزماتها هي تلك التي تجمع بين المصالحة والعدالة، وبين الاحتواء والردع. والسودان، وهو يخطو خطواته نحو الاستقرار، يبدو أنه يسير في هذا الاتجاه، مستفيدًا من دروس الماضي، ومستشرفًا مستقبلًا أكثر تماسكًا. فكل عودة إلى الوطن هي إضافة جديدة إلى رصيده البشري، وكل مصالحة هي لبنة في بناء السلام، وكل موقف تسامح هو خطوة نحو ترسيخ ثقافة وطنية قائمة على التعايش.
ومن المهم في هذا السياق أن تلعب النخب السياسية والمجتمعية دورًا إيجابيًا في تعزيز هذه الرسائل، عبر خطاب مسؤول يدعو إلى الوحدة، ويبتعد عن التحريض والانقسام. كما أن وسائل الإعلام مطالبة بأن تكون شريكًا في هذه العملية، من خلال إبراز النماذج الإيجابية، وتسليط الضوء على قصص العودة والمصالحة، بدلًا من التركيز على مظاهر الخلاف والصراع.
وفي النهاية، فإن السودان يقف اليوم على مفترق طرق، إما أن يختار طريق الوحدة والبناء، أو أن يظل أسيرًا لدورات الصراع. لكن المؤشرات، ومن بينها استقبال النور القبة، توحي بأن هناك إرادة حقيقية للعبور نحو المستقبل، وأن الأبواب مفتوحة أمام كل من يريد أن يكون جزءًا من هذا المسار. إنها دعوة صادقة لكل أبناء الوطن: ضعوا أيديكم في أيدي بعض، وابدأوا صفحة جديدة، فالسودان يستحق أن يكون في مكانه الطبيعي بين الأمم، قويًا بوحدته، مزدهرًا بجهود أبنائه، وآمنًا بإرادتهم المشتركة.
ماذا يريد كابو من النيابة (؟)
ويبقى الود دكتور عمر كابو ** السؤال موضوع هذه المقالة هو عنوان لتعليق كتبه نكرة اسم…






