‫الرئيسية‬ مقالات ما بعد الحرب… حين تكون معركة الوطن في العقول قبل الميادين
مقالات - ‫‫‫‏‫7 ساعات مضت‬

ما بعد الحرب… حين تكون معركة الوطن في العقول قبل الميادين

حديث الساعة إلهام سالم منصور

انتهاء الحروب لا يعني نهاية الأزمات، بل هو بداية الامتحان الحقيقي للأوطان. فالسودان، وهو يخرج من نفق هذه الحرب القاسية، يقف اليوم على مفترق طرق تاريخي: إما أن يؤسس لمرحلة جديدة قائمة على الوعي والعدالة والوحدة، أو أن ينزلق مرة أخرى إلى دوامة الصراعات بسبب أخطاء لم تُعالج وجراح لم تُضمد.

إن الحديث عن تنظيف السودان بعد الحرب لا يجب أن يُفهم فقط في إطار مادي يتعلق بإزالة الركام وإعادة إعمار ما دمرته المعارك، بل هو مفهوم أشمل وأعمق بكثير. نحن أمام ضرورة ملحة لإعادة ترتيب الداخل السوداني، أخلاقياً وفكرياً ومؤسسياً. فالحرب لم تترك خلفها فقط مباني منهارة وطرقاً مدمرة، بل كشفت أيضاً عن اختلالات كبيرة في منظومة القيم والانتماء.

لقد أفرزت هذه الأزمة مواقف واضحة لا تقبل الرمادية؛ كشفت من يقف مع الوطن ومن يتاجر به، من يحتمي بالهوية الوطنية ومن يساوم عليها. وهنا تكمن الخطورة: لأن إعادة البناء دون مراجعة هذه المواقف تعني ببساطة إعادة إنتاج الأزمة نفسها، ولكن بوجه جديد.

إن ما يحتاجه السودان اليوم هو مشروع وطني متكامل يقوم على ثلاث ركائز أساسية:

أولاً: العدالة وسيادة القانون

لا يمكن الحديث عن دولة مستقرة دون أن تكون هناك محاسبة عادلة وشفافة لكل من أجرم في حق الوطن، سواء بالفعل أو بالتحريض أو بالتواطؤ. هذه ليست دعوة للانتقام، بل تأسيس لقاعدة واضحة مفادها أن لا أحد فوق القانون، وأن خيانة الوطن جريمة لا تسقط بالتقادم. العدالة هنا هي صمام الأمان الذي يمنع تكرار المأساة.

ثانياً: ترميم النسيج الاجتماعي

الحرب بطبيعتها تزرع الشكوك وتعمق الانقسامات. لذلك فإن أخطر ما نواجهه بعد توقف القتال هو بقاء هذه الشروخ داخل المجتمع. علينا أن نعيد بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد، وأن نُعلي من قيم التسامح دون التفريط في الحقوق. فالوطن لا يمكن أن يقوم على الإقصاء، ولا أن يستقر على الكراهية.

ثالثاً: بناء وعي وطني جديد

الإعلام، والتعليم، والخطاب الديني، والنخب الثقافية… جميعها مطالبة بلعب دور محوري في صياغة وعي جديد يقوم على الانتماء الحقيقي لا المصالح المؤقتة. يجب أن نُعلم الأجيال القادمة أن الوطن ليس مجرد جغرافيا، بل مسؤولية، وأن الدفاع عنه لا يكون فقط بالسلاح، بل بالموقف والكلمة الصادقة والعمل المخلص.

وفي خضم هذا كله، لا بد أن نُميز بين من أخطأ بدافع الجهل أو الخوف، وبين من تعمد الخيانة وساهم في تقويض الدولة. فالدولة الحكيمة هي التي تفتح باب التوبة لمن يستحق، لكنها في ذات الوقت لا تتهاون مع من أصر على الإضرار بالوطن.

إن إعادة الإعمار المادي قد تستغرق سنوات، لكن إعادة بناء الإنسان قد تستغرق جيلاً كاملاً. ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في الإنسان السوداني: في تعليمه، في وعيه، في قيمه، وفي إحساسه بالمسؤولية تجاه هذا الوطن.

السودان ليس بلداً عادياً، بل هو تاريخ ممتد، وهوية عريقة، وشعب قادر على تجاوز المحن إذا توفرت له القيادة الواعية والإرادة الصادقة. وما نمر به اليوم، رغم قسوته، يمكن أن يكون نقطة تحول حقيقية إذا أحسنا قراءته واستفدنا من دروسه.

فلنبدأ من الآن… لا بتبادل الاتهامات، بل بوضع أسس واضحة لمستقبل لا مكان فيه للفوضى، ولا مساحة فيه للخيانة، ولا صوت يعلو فيه فوق صوت الوطن.

فالسودان لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار… بل يحتاج إلى إعادة تعريف لمعنى الانتماء.

الخميس٢٣ابريل ٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

وفد تطوعي يساند طلاب الشهادة السودانية بالمنامة

في بادرة تعكس روح التضامن والمسؤولية المجتمعية، زار وفد من الاتحاد العربي للعمل التطوعي وج…