‫الرئيسية‬ مقالات استراتيجية السودان بعد الحرب: تعافي وطن جريح
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

استراتيجية السودان بعد الحرب: تعافي وطن جريح

حديث الساعة إلهام سالم منصور

حين تضع الحرب أوزارها، لا يكون السلام مجرد صمتٍ للبنادق، بل بداية معركةٍ من نوعٍ آخر… معركة البناء، واستعادة الروح، ورتق ما تمزق في جسد الوطن. السودان اليوم، وهو يخرج من أتون الحرب، لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار ما دمرته القذائف، بل إلى رؤية وطنية شاملة تعيد صياغة الدولة والمجتمع معًا.

إن تعافي وطنٍ جريح كالسودان يتطلب أولًا الاعتراف بحجم الخسارة، لا الهروب منها. فقد خلفت الحرب جراحًا عميقة في النفوس قبل الحجر، وشرخًا في النسيج الاجتماعي يحتاج إلى حكمة وعقلانية لمعالجته. وهنا تبرز أهمية مشروع وطني للمصالحة المجتمعية، قائم على العدالة لا المجاملات، وعلى كشف الحقائق لا طمسها.

أما على المستوى السياسي، فإن المرحلة القادمة لا تحتمل ذات الأخطاء التي قادت البلاد إلى هذا المصير. المطلوب هو إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس من الشفافية والكفاءة، بعيدًا عن المحاصصات الضيقة والانتماءات الحزبية التي أنهكت السودان لعقود. دولة القانون وحدها هي الضامن الحقيقي للاستقرار.

اقتصاديًا، فإن التحدي لا يقل صعوبة. فالحرب دمرت البنية التحتية وأضعفت الإنتاج، لكن السودان يمتلك من الموارد ما يؤهله للنهوض من جديد. الزراعة، الثروات المعدنية، والموقع الاستراتيجي… كلها عناصر يمكن أن تشكل قاعدة لانطلاقة اقتصادية قوية إذا أُحسن إدارتها. المطلوب هو توجيه الجهود نحو الإنتاج لا الاستهلاك، وبناء اقتصاد يعتمد على الذات لا على المعونات.

ولا يمكن الحديث عن التعافي دون التطرق إلى دور الإنسان السوداني، فهو الثروة الحقيقية التي لا تنضب. إعادة تأهيل التعليم، دعم الشباب، وتمكين المرأة، كلها محاور أساسية لبناء مجتمع قادر على تجاوز آثار الحرب. كما أن الإعلام الوطني مطالب بأن يكون شريكًا في هذه المرحلة، ينشر الوعي ويعزز قيم الوحدة، لا أن يكون منبرًا للفرقة.

وفي الجانب الأمني، فإن تثبيت السلام يتطلب جيشًا وطنيًا موحدًا، يحتكر السلاح ويصون سيادة الدولة، مع تفكيك أي مظاهر للتفلت أو المليشيات. فلا تنمية بلا أمن، ولا استقرار دون هيبة الدولة.

السودان اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يستفيد من دروس الحرب ويؤسس لمرحلة جديدة قوامها الوحدة والعمل، أو أن يعيد إنتاج أزماته في شكلٍ آخر. الخيار ليس سهلًا، لكنه ممكن إذا توفرت الإرادة الصادقة.

تعافي السودان ليس حلمًا بعيدًا، بل مشروعًا يبدأ بخطوة… خطوة نحو الوطن، نحو التماسك، نحو المستقبل. فالوطن الجريح لا يُشفى بالكلمات، بل بالفعل، ولا يُبنى بالشعارات، بل بالإرادة.

السودان ينادي أبناءه… فهل نكون على قدر النداء؟

الجمعة ٢٤ ابريل ٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

«7» ولايات تخش الضل… الصحة الاتحادية تحاصر شلل الأطفال بحملة تحصينية

كشف برنامج التحصين الموسع بوزارة الصحةالاتحادية عن رصد حالات إصابة بفيروس شلل الأطفال بولا…