مقالات - ‫‫‫‏‫59 دقيقة مضت‬

جزاء سمنار

حسن النخلي يكتب التحليق وسط الزحام

إن لوزارة المالية في أي دولة مكانة محورية، فهي عصب الدولة وبيت مالها الذي تقوم عليه سيادتها. في أوقات السلم، تنهض الوزارة بمسؤولية رسم السياسة المالية، وجمع الإيرادات، وتوجيه الإنفاق نحو التنمية والخدمات، بما يحقق التوازن بين موارد الدولة وحاجات المجتمع.

 

ويتعاظم دورها في أوقات الحرب والأزمات، فتصبح هي الضامن لاستمرار مؤسسات الدولة، والممول لمعركة البقاء، والراعية لصمود المجتمع عبر إدارة الموارد الشحيحة بعدالة.

 

وفي المقابل، يقوم صلب العلاقة بين المواطن ووزارته المالية على عقد اجتماعي واضح: *المواطن يغذي الخزينة العامة بالضرائب والرسوم والزكاة*، وفاءً منه بواجبه الوطني، *والوزارة تؤدي الأمانة* فتصون هذا المال، وتوجهه لخدمة المواطن ورعايته، خاصة عند نزول الكوارث والمحن.

 

فإذا انقلبت هذه المعادلة، وتنصلت الوزارة من رعاية من يمولها عند محنته، كان ذلك *نكوصاً عن جوهر وظيفتها، ونقضاً للعقد الاجتماعي* الذي تستمد منه شرعيتها.

 

بتصريح صادر في أواخر فبراير 2026 من القاهرة، أعلن وزير المالية د. جبريل إبراهيم: *”الحكومة لن تتحمل مسؤولية تمويل إصلاح المنازل أو العقارات الخاصة التي تضررت جراء الأحداث الجارية في البلاد، مؤكداً أن إعادة تأهيل الممتلكات الشخصية تقع بالكامل على عاتق أصحابها”*.

 

ومما لا شك فيه أن هذا التصريح هو *خرق للدستور، وتعدٍ على التشريع، وتجاوز للصلاحيات*. وكان ذلك لأمرين لا ثالث لهما: *إما جهل بالدستور من السيد الوزير، أو قرار ارتجالي صادر عن رئيس حركة مسلحة لم تنتقل بعد إلى عقلية الدولة*.

 

ونرد على هذا الخرق بموجب الدستور والقانون والأعراف الأخلاقية الحاكمة:

 

*أولاً: الرد بموجب الدستور – التصريح خرق صريح للوثيقة الدستورية*

 

1. *الوزير أسقط التزاماً دستورياً دون سند*. المادة 39 أ/1 من الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية تعديل 2025 تنص صراحة: *”ترعي الدولة المحاربين والمصابين في الحرب وأسر الشهداء والمفقودين”*. والرعاية تشمل الإيواء وإعادة الإعمار بداهةً. فالتصريح تعطيل لنص دستوري آمر، وهذا تعدٍ على الدستور.

2. *لا تفويض تشريعي لوزير المالية بتعطيل الدستور*. التشريع وسن القوانين وإسقاط الحقوق هو *اختصاص حصري للسلطة التشريعية*. وما صدر من الوزير هو تعدٍ على سلطة التشريع وتجاوز صارخ للصلاحيات الممنوحة للسلطة التنفيذية.

3. *الوزير ينتقي من الوثيقة ما يوافق هواه*. المادة 68 من الوثيقة الدستورية تلزم *”العمل على تنفيذ اتفاق جوبا لسلام السودان 2020″*، واتفاق جوبا هو سند الوزير في منصبه. فالأخذ من الوثيقة “غنيمة المنصب” وترك “غرم المسؤولية” هو *كيل بمكيالين* يبطل المشروعية.

 

*ثانياً: الرد بموجب القانون – التصريح مخالف للالتزامات القانونية*

 

4. *لا يجوز للدولة التنصل من جبر الضرر*. قواعد القانون الدولي تقرر أن *”الجهة المسؤولة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني تلتزم بالتعويض الكامل عن الخسائر والأضرار”*. والمليشيا المتمردة كانت *”قوة تابعة للدولة ومكّنتها في مفاصلها”*، فالمسؤولية ثابتة قانوناً.

5. *التصريح يتعارض مع المسار الرسمي للدولة*. السلطات العدلية السودانية تبنت رسمياً *”إعداد ملفات قانونية بهدف ملاحقة المتورطين ومحاكمتهم، بالإضافة إلى الحصول على تعويضات وجبر ضرر المتضررين”*. فموقف الوزير لا يمثل الدولة، بل يهدم مسارها العدلي.

6. *التمييز بين المتضررين مخالف لمبدأ “العدل والمساواة”*. الدولة تعوض متضرري الكوارث الطبيعية – كما فعلت تركيا والمغرب – وهي كوارث لا مسؤول عنها. فكيف تتنصل من تعويض ضحايا حرب هي طرف أصيل فيها؟ هذا *تمييز تعسفي* يخالف الدستور. *ومن المتناقضات الفاضحة أن حركة الوزير التي يرأسها اسمها “العدل والمساواة”، فكيف يستقيم أن تحمل الحركة اسم “العدل والمساواة” ويمارس رئيسها “الظلم والتمييز”؟ أهذا انفصام بين الشعار والممارسة؟*

 

*ثالثاً: الرد بموجب الفقه والأعراف الأخلاقية*

 

7. *التصريح يخالف قاعدة “الغرم بالغنم”*. الدولة أخذت “غنيمة” العفو عن “الحق العام” باسم “المصلحة العامة”. ويقرر الإمام القرافي: *”كل ضرر يحصل بفعل الإمام للمصلحة العامة فهو في بيت المال”*. فمن أخذ الغنيمة، لزمه الغرم.

8. *التصريح يكشف عقلية الغنيمة لا الدولة*. جوهر العقد الاجتماعي أن الدولة وُجدت لخدمة المواطن. وتقديم “المقر” على “المواطن”، و”الوزارة” على “البيت” هو انحراف عن وظيفة الدولة. هذه عقلية “الحركة المسلحة” لا عقلية “الدولة الراعية”.

 

*رابعاً: الرد بموجب الشرعية السياسية*

 

9. *التصريح يهدم الشرعية السياسية*. شرعية الدولة تقوم على *رضا المحكومين*. وحين يشعر المواطن أنه *”قُتِل مرتين”*: مرة برصاص المليشيا، ومرة بقرار الوزير الذي يترك بيته ركاماً، فأي شرعية تبقى للحكومة؟

10. *عقلية “الخندق” لا تبني دولة*. لم تنتقل النخبة السودانية – حركات مسلحة وأحزاباً سياسية – من منطق “التمركز في المقر” و”جباية المال” إلى منطق “خدمة المواطن”. وهذا أصل الأزمة: *جهل بالدستور، أو قرار ارتجالي بعقلية الحركة*.

 

*الخلاصة الدستورية:*

 

إن تصريح وزير المالية *خرق للدستور وتعدٍ على التشريع وتجاوز للصلاحيات*، وهو *فاقد للمشروعية الدستورية*، *ومخالف للالتزامات القانونية* الدولية والمحلية، *ومناقض للقواعد الفقهية* الحاكمة، *وهادم للشرعية السياسية*.

 

*”إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا” [النساء: 58]*. وبيت المواطن الذي هُدم وهو يدافع عن الدولة، هو أول الأمانات وأوجبها.

 

الأحد /26 /أبريل /2026.

‫شاهد أيضًا‬

بلغت «9» الف اصابة اسبوعياً صحة الخرطوم تخوض معركتها ضد الملاريا والضنك

كشفت وزارة الصحة ولاية الخرطوم، عن ارتفاع نسبة الإصابة بالملاريا من 8- 9 ألف حالة اسبوعياً…