‫الرئيسية‬ مقالات الأماني العجاف و غياب سمو الأماني وعلو الهمم وسط الشباب
مقالات - ‫‫‫‏‫12 ساعة مضت‬

الأماني العجاف و غياب سمو الأماني وعلو الهمم وسط الشباب

مضمار_الحقائق د. موسى آدم عثمان الفولاني 

يُعدُّ الشباب عماد الأمم وركيزة نهضتها، وعليهم تُعلَّق الآمال في صناعة الحاضر وبناء المستقبل. ولا يمكن لأي مجتمع أن يحقق التقدم والاستقرار دون أن يمتلك شبابًا يتصفون بسمو الأماني وعلو الهمم، إذ تمثل الطموحات الراقية والدوافع الإيجابية أساسًا في تشكيل الشخصية السوية والفاعلة اجتماعيًا. وفي إطار علم النفس الاجتماعي، يُنظر إلى الهمة والطموح بوصفهما نتاجًا لتفاعل الفرد مع بيئته الثقافية والاجتماعية والتربوية.

من خلال هذا المضمار سنعمد إلى تسليط الضوء على مفهوم سمو الأماني والهمة من منظور علم النفس الاجتماعي، وبيان أثرهما في بناء شخصية الشباب، مع تناول مظاهر ضعف الطموح، وسبل تربية الشباب على علو الهمم، ودورهم في النهضة، وأهمية استثمار الوقت في تحقيق الأهداف.

يشير مفهوم الأماني إلى ما يتطلع إليه الفرد من أهداف وتطلعات مستقبلية، بينما تُعبِّر الهمة عن مستوى الدافعية والاستعداد النفسي لبذل الجهد في سبيل تحقيق تلك الأهداف. ويُعد سمو الأماني وعلو الهمة مؤشرًا على الصحة النفسية والاجتماعية للفرد، لما لهما من ارتباط وثيق بمفهوم الذات، وتقديرها، والإحساس بالكفاءة الشخصية.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي، يتأثر مستوى الطموح والهمة بعدة عوامل،

كالتنشئة الأسرية وأساليب التربية، فالتنشئة الأسرية عامل مهم في بناء شخصية الشباب منذ نعومة أظفارهم، إذ يرتكز بناء الشباب على علو همم من يقوم بتربيتهم ورعايتهم، من الأمثلة اللطيفة للمربي الهميم تربية السيدة صفية بنت عبد المطلب (عمة النبي ﷺ) ابنها الزبير بن العوام -بعد وفاة والده صغيرًا- تربية حازمة وقاسية تهدف إلى بناء فارس مغوار، حيث ركزت على تعليم ركوب الخيل، وفنون القتال، وتحمل الشدائد ليصبح مجاهدًا في سبيل الله، وكانت تضربه شديدًا في صباه لتروّضه على الشجاعة. فكان عمه ينكر ذلك عليها، ويزعم أنها تبغضه، فكانت تقول: من خالني أبغضه فقد كذب وإنما أضربه لكي يلب ويهزم الجيش ويأتي بالسلب.

مما يروى عن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله ورضي عنه، من مأثور القول أنه قال: إن لي نفس تواقة، تاقت إلى الإمارة فنلتها، ثم تاقت إلى الخلافة فنلتها، وإن نفسي تتوق إلى الجنة. نفس الإنسان العظيم الكبير دائماً تطلب معالي الأمور، والإنسان الذي يطلب معالي الأمور لا يمكن أن يجد أمراً أعلى من أن يحقق ما يريده الله تبارك وتعالى.

يقول القائل:

إذا كانت النفوس كبارا تعبت من مرادها الأجسام

وخير الأماني الجنة “فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز”. كذلك من الأمثلة الحية نبوغ الإمام مالك بن أنس عالم المدينة والإمام الشافعي، أيضاً الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، كلهم صاروا أفذاذ لعلو همم المربين وسمو الأهداف والغايات. إذا كانت التربية بلا أهداف حتما ستنتج جيل فاشل يهدم ولا يبني، يخرب ولا يصون، يستهلك ولا ينتج!!

ومن عوامل بناء الشباب البيئات المدرسية والتعليمية، تتمثل في خلق بيئات تعليمية جاذبة وتوفير أساليب تعليمية تتماشى مع متطلبات العصر الحديث، إعداد معلمين ومعلمات وطنييون يغرسون في التلاميذ والطلاب القيِّم الفاضلة والأخلاق النبيلة، مجانية التعليم بمعناها الحقيقي حتى لا تكون المدارس مؤسسات للجبايات وتشريد التلاميذ من المدارس إلى الأسواق والشوارع. تؤثر الثقافة المجتمعية السائدة بشكل جوهري على بناء الشباب من خلال تشكيل هويتهم، قيمهم، وسلوكياتهم، حيث تعمل كحاضنة رئيسية (للأسرة، المدرسة، الإعلام). فهي تحدد المعايير الأخلاقية، توجه الطموحات، وتصقل الشخصية، مما يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي أو خلق تحديات مثل الاغتراب الثقافي إذا تعارضت مع قيم الجيل الجديد. وتسهم هذه العوامل مجتمعة في تشكيل توقعات الشباب عن ذواتهم ومستقبلهم، إما نحو الطموح والإيجابية، أو نحو السلبية والتراجع.

يعاني الشباب في رسم خططهم وتحقيق غاياتهم وتحديد أهدافهم، ومع غياب الأهداف والغايات تصبح الأماني والهمم عجافاً فتصبح تطلعات تفتقر إلى الواقعية والتخطيط، وتقوم على التمنِّي المجرد دون سعي أو عمل. أما الهمم الدنيئة فهي ضعف الإرادة، وقلة الطموح، والاكتفاء بالحد الأدنى من الإنجاز. إذ تعتمد الأماني العجاف والهمم الضعيفة على الحظ والصدفة بدل الجهد، التسويف والمماطلة في أداء المهام، الخوف من الفشل وتجنب التحديات، ضعف الثقة بالنفس والاتكالية والاعتماد المفرط على الآخرين.

وتضعف الهمة عند الأجيال لأسباب كثيرة منها التنشئة القائمة على التسلط أو الإهمال، غياب القدوة الصالحة، الإحباط المتكرر والفشل غير المعالج، الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة وانتشار ثقافة الاستهلاك والكسل. من أسباب ضعف الهمة ضعف الدعم النفسي، ومن هنا تبرز أهمية الدعم الاجتماعي والنفسي في تعزيز الأمل وتقليل الشعور بالإحباط، من خلال توفير بيئة مشجعة ومحفزة للنمو. ويؤدي استمرار هذه المظاهر إلى تكوين شخصية سلبية غير قادرة على التكيف الاجتماعي، مما ينعكس سلبًا على المجتمع بأكمله.

يمر الشباب بمرحلة نفسية واجتماعية حساسة، تتسم بتكوين الهوية وبناء الطموحات. وهم في هذه المرحلة يتأرجحون بين الأمل في تحقيق الذات، والألم الناتج عن الإخفاقات والتحديات.

إذاً ما المطلوب من القائمين على التربية والتنشئة؟ تعتبر التربية السليمة حجر الأساس في تنمية الطموح وعلو الهمة، وتشترك في ذلك الأسرة، المدرسة والمؤسسات التعليمية والمجتمعية. فالأسرة هي التي عليها وظائف عديدة باعتبارها الركيزة واللبنة الأساسية في إعداد الجيل الهميم الناضج، فعلى الأسرة تعزيز الثقة بالنفس لدى الأبناء، تشجيع الحوار والتعبير عن الطموحات، تقديم القدوة الإيجابية وتنمية روح المسؤولية.

ولا ينفصل دور المدرسة والمؤسسات التعليمية عن دور الأسرة، تكاملاً معها تعمل المؤسسات التعليمية على تنمية مهارات التفكير الناقد، تشجيع الإبداع والابتكار، ربط التعليم بسوق العمل ودعم الأنشطة اللاصفية. ويعظم دور المجتمع والإعلام، في كثير من الأحيان تنجح الأسر في تشكيل الشخصية النموذجية للجيل الرائد ويفشل المجتمع والإعلام غير الهادف في المحافظة على نتاج الأسر فيغرس ويؤسس للفشل والانهيار، لذا يجب على المجتمع نواة لبناء من تفشل الأسر في بناءه، ويكون ذلك عبر طرق مكتملة أجلها إبراز النماذج الناجحة والاقتداء بها، نشر ثقافة العمل والاجتهاد، الحد من المحتوى السلبي ودعم المبادرات الشبابية.

وتسهم هذه الجهود المتكاملة في بناء شخصية متوازنة، قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق الطموحات.

ومن المعلوم ضرورة ان الشباب هم المورد البشري الأهم في أي مجتمع، وهم المحرك الرئيس للتنمية المستدامة. فبهم تُبنى المؤسسات، وتُطوَّر الاقتصادات، وتُصان القيم. ولا يمكن تحقيق التنمية المستدامة إلا بوجود شباب يتمتعون بعلو الهمة، ووضوح الرؤية، والإيمان بقدراتهم.

ويبقى السؤال هل الأماني والغايات تتمثل في تحقيق الرغبات الشخصية؟ هل غاية الشاب في حياته ان يكون مظهره أنيقاً ويصب جل اهتمامه في شعره وملابسه؟ هل غاية الشاب اقتناء هاتفا ذكياً وانترنت والتصفح بمواقع التواصل الاجتماعي؟ هل غاية الشباب أن يقتني عربة فارهة وبيت شاهِقِ؟ ليست هذه هي السامية التي نريدها أو الهمم العالية التي ننادي بها، بل همم تعانق السحب وأماني نتحدى بها الصعاب، نريد قادة وعلماء ومنتجين وفرسان شجعان يدافعون عن الحمى والأعراض.

 

ختاماً، يتضح مما سبق أن سمو الأماني وعلو الهمة يمثلان ركيزة أساسية في بناء شخصية الشباب السوية والفاعلة اجتماعيًا. فالشباب أصحاب الطموح العالي والدافعية الإيجابية هم القادرون على قيادة مجتمعاتهم نحو التقدم والاستقرار. وتقع مسؤولية تنمية هذه القيم على عاتق الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والمجتمع بأسره، من خلال توفير بيئة داعمة ومحفزة، تُعزز الثقة بالنفس، وتدعم الإبداع، وتُشجع على العمل الجاد. وفي ضوء علم النفس الاجتماعي، فإن الاستثمار في بناء همم الشباب هو استثمار في مستقبل الأمة، وضمان لاستمرار نهضتها وتحقيق تطلعاتها في عالم سريع التغير.

 

ولنا لقاء إن شاء الله،،،،،،،

 

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان الا إله إلا أنت استغفرك واتوب إليك

‫شاهد أيضًا‬

مدير عام المواصفات تتفقد قري والحاويات وتؤكد أهمية الموانئ الجافة 

قامت الأستاذة رحبة سعيد عبد الله، المدير العام للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، يرافق…