‫الرئيسية‬ مقالات السودان وإدارة الصراع الإقليمي
مقالات - ‫‫‫‏‫6 ساعات مضت‬

السودان وإدارة الصراع الإقليمي

د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

يُعدّ استخدام أراضي الدول أو تسهيلاتها اللوجستية في صراعات دول الجوار من أكثر الظواهر تعقيدًا في العلاقات الدولية، حيث لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة تداخل المصالح الاستراتيجية، والضغوط الدولية، وضعف السيادة، وتشابك الفاعلين. وفي الحالة السودانية، تتجلى هذه الظاهرة ضمن حرب معقدة تجاوزت حدودها الداخلية لتصبح جزءًا من شبكة صراع إقليمي مفتوح.

نظريًا، تقوم السيادة على منع استخدام أراضي الدولة ضد الآخرين، لكن الواقع في البيئات المضطربة يُظهر أن هذا المبدأ يتآكل تحت ضغط المصالح. فتظهر أنماط من “الانخراط غير المباشر”، مثل تسهيل الإمدادات أو استخدام المرافق الحيوية بطرق غير معلنة، أو عبر ترتيبات غير رسمية. وغالبًا ما لا يكون ذلك قرارًا مركزيًا واضحًا، بل نتيجة تداخل مؤسساتي وضغوط متعددة.

في هذا السياق، يمكن قراءة السلوك الإثيوبي باعتباره اتجه، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى السماح باستخدام بعض أراضيه أو تسهيلاته اللوجستية في الحرب التي شنتها قوات الدعم السريع على السودان، سواء بدافع حسابات استراتيجية خاصة أو نتيجة ضغوط دولية وإقليمية. وهذا يضعها في موقف دبلوماسي حساس، ويُضعف قدرتها على نفي الاتهامات بشكل حاسم، خاصة في ظل طبيعة الصراع المركب القائم على أدوات غير مباشرة.

وتشير القراءة التحليلية إلى أنه في حال ثبوت تقديم تسهيلات أو دعم لوجستي أو السماح باستخدام الأراضي في عمليات تمس الداخل السوداني، فإن ذلك يُعدّ من منظور القانون الدولي انتهاكًا لمبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. إذ إن تمكين أي طرف غير حكومي من استخدام أراضي دولة مجاورة في أعمال ذات طابع عسكري أو أمني ينعكس مباشرة على استقرار الدولة المستهدفة، ويُدخل الفعل في دائرة المسؤولية السياسية والقانونية، خاصة إذا تم بصورة منظمة أو متكررة.

ترتبط هذه السلوكيات بدوافع استراتيجية عميقة، أبرزها السعي لإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي ومنع الخصوم من تحقيق تفوق استراتيجي. كما يلعب العامل الجغرافي دورًا مهمًا، خاصة في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث تمثل الممرات البحرية والتجارية عنصرًا حاسمًا في حسابات النفوذ. إلى جانب ذلك، تُسهم الضغوط الدولية في توجيه سلوك الدول، إذ تتحرك ضمن توازنات أوسع قد تفرض عليها خيارات لا تعكس إرادتها الكاملة.

من جانب آخر، فإن الازمات والصراعات وعدم الاستقرار الداخلي تفتح المجال أمام هذه التدخلات، حيث تتحول الأراضي إلى مساحات اختراق، وتصبح الحدود أقل قدرة على ضبط الفاعلين. وفي هذه البيئة، تتقاطع الأجندات الإقليمية مع الانقسامات الداخلية، مما يعمّق الصراع ويطيل أمده.

استراتيجيًا، لا تهدف مثل هذه الصراعات إلى الحسم السريع، بل إلى الاستنزاف طويل المدى، بما يضعف قدرات الدولة ويستنزف مواردها. لذلك، فإن الانجرار إلى ردود فعل غير محسوبة قد يخدم هذه الأهداف بدلًا من مواجهتها. ومن هنا تبرز أهمية إدارة الصراع بوعي، من خلال أدوات دبلوماسية وقانونية، وإعادة ترتيب التحالفات، بدلًا من التصعيد المباشر.

في الختام، فإن ما يحدث في السودان يعكس نموذجًا لصراع متعدد المستويات، تتداخل فيه العوامل الداخلية والخارجية. والتعامل معه يتطلب رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على ضبط التوازنات، وتجنب الانفعال، والعمل على حماية المصالح الوطنية عبر إدارة ذكية للصراع، لا الاكتفاء بردود الأفعال.

‫شاهد أيضًا‬

سيادةٌ حاسمة

​■ لم يأتِ المؤتمر الصحفي الذي عقده وزراء الخارجية والإعلام والناطق الرسمي باسم القوات الم…