آل ديدان.. “رباعيةُ الفداء” التي لا تنكسر..!!
رمضان محجوب

■ تبدأُ الحكايةُ من عتبةِ بيتٍ سودانيٍّ بسيط، لم تُشيد جدرانَه الرخامُ ولم تكسُ أرضيتَه “السيراميك” بل بالسترِ وعزة النفس، بيتٍ باذخٍ في عطائه حدَّ الذهول. تقفُ اليوم أسرة (آل ديدان) لتهبَنا درساً في معنى الانتماء الذي لا يلين، وتجيبَ بالدم عن سؤال الهوية. فلم يكن رحيلُ الابن الرابع، “زاهر” أمس الجمعة، مجرد خبر نعيٍ عابرٍ يُتداول في المجالس، بل كان المتمم لعهدٍ قطعه الرجالُ في ذلك البيت؛ عهد “رباعية الفداء” التي اكتمل نصابها برحيل الأشقاء الأربعة، ليعلنوا للعالم أن البيوت السودانية الأصيلة هي خط الدفاع الأول الذي لا تنفذ من خرمه ريحُ الغزاة.
■ مضى زاهر ليلحق برفاق دربه ودمه (علي، وخالد، والنذير)، في تتابعٍ يعجزُ الشعرُ عن وصفه، وكأنهم في سباقٍ نحو الجنان. رسموا بدمائهم خارطةً للثبات تمتدُ من قمم جبال النوبة الشامخة وصولاً إلى سهال كردفان الغراء.
▪️ هذا الصمود الذي يبدو كأنه من أساطير الأولين لم يولد من فراغ، بل هو غرسُ الوالد الصابر، “العم دفع الله ديدان”، ذلك الرجل الذي استقبل خبر استشهاد ابنه الرابع بيقينٍ هزَّ أركان المدينة، وحوّل “ديوان” الأسرة من مكانٍ لتلقي العزاء إلى مدرسةٍ يتعلم فيها الصغار والكبار ليعطينا درس الانتماء الأول بأن الوطن ليس تراباً نعيش فوقه، بل هو روحٌ تسكننا ونبذل لأجلها الغالي والنفيس.
■ كان الشهيد زاهر يسير في مناكب الأرض بصمت الكبار، مقاتلاً في صفوف “المهام الخاصة”، بعيداً عن أضواء الشهرة وضجيج الخطابات. لم يكسر ظهره رحيل إخوته الثلاثة، بل شدَّ على “كلاشه” بقوةٍ أعظم، مؤمناً بأن الحق لا يُسترد بالعويل بل بالثبات في الثغور.
▪️ وفي ذات اللحظة التي يُزف فيها زاهر شهيداً، يقف شقيقهم الخامس، القائد “محمد دفع الله ديدان”، وسط رصاص المعارك في كردفان، حاملاً لواء العائلة، ليبرهن للعالم أن هذا النبع لا ينضب، وأن الراية التي تسقط من يد شهيد، يتلقفها شقيقه قبل أن تلمس الأرض.
■ الوجع الذي يسكن زوايا منزل آل ديدان ليس وجع انكسار أو هزيمة، بل هو مخاضٌ عسيرٌ يسبق ميلاد النصر. هؤلاء الفتية لم يرحلوا عبثاً، بل رسموا بدمهم “الحدود الحقيقية” للسودان، تلك التي لا تُرسم بالخرائط والمساحات، بل بالمهج التي نذرت نفسها للفناء ليحيا الوطن عزيزاً.
■ تحول “اسم ديدان” في القاموس الشعبي السوداني إلى مرادفٍ للجسارة التي تتخطى حدود الخيال. فمن ذا الذي يقدم أربعة من فلذات كبده ثم يبتسم في وجه الموت؟ إنها عظمةُ الإنسان السوداني حين تجلوه المحن، فيبدو كقطعة الماس لا تزيدها النيران إلا بريقاً.
▪️ هذا البيت أُفرغ من شبابه ليملأ ساحات الوغى، مقدماً برهاناً ساطعاً على أن الروح السودانية إذا ما استُنهضت، لا ترضى بغير النجوم مستقراً، ولا تقبل بغير السيادة وطناً شامخاً لا يطاله غدر الخائنين أو كيد المتآمرين.
■ كل زاوية في منزلهم المتواضع باتت اليوم مزاراً للفخر، وكل ركنٍ يهمس بذكرى غائبٍ حاضر بفعله؛ فبينما تغيب الأجساد تحت التراب، تبقى الأرواح حارسةً للأبواب والقلوب.
▪️ هؤلاء الأبطال لم يغادروا، بل استحالوا إلى أفكارٍ ملهمة وقيمٍ حية تمشي بين الناس، تخبرهم بأن الأوطان لا تُبنى بالأماني والخطب الرنانة، بل تُفتدى بالأعمار والنفوس الطاهرة. إنها ملحمةٌ إنسانية ستظل محفورة في وجدان الشعب، كرمزٍ للأنفة السودانية التي لا تُباع ولا تُشترى في أسواق المزايدات السياسية.
■ تذهب الأسماء وتبقى الأفعال، وأفعال آل ديدان قد حُفرت في وجدان التاريخ بمدادٍ لا يُمحى، لتصبح مرجعاً لكل من أراد أن ينهل من علم التضحية المطلقة. إنهم لم يورثوا أبناءهم مالاً ولا طيناً، بل ورثوهم مجداً يطاول السحاب، وذكراً حسناً سيتناقله الناس في “الحلال” والبوادي بكل اعتزاز.
▪️ والصبر الذي يتدثر به آل ديدان هو في حقيقته سلاحٌ لا يقل فتكاً عن قاذفات الصواريخ، فهو يثبت قلوب المترددين ويبعث الأمل في النفوس بأن النصر مع الصبر، وأن الفجر قريبٌ مهما طال ليل الظلم.
■ كل قطرة دم سقطت من أجساد “الرباعية” هي لبنة صلبة في جدار السودان الجديد، السودان الذي حلم به هؤلاء الفتية؛ وطناً حراً، مطهراً من دنس مليشيا آل دقلو.
▪️ تضحيات هؤلاء الشهداء هي الضمان الأكيد بأن تظل هذه الأرض عصية على التفتت، وأن يبقى نسيجها الاجتماعي قوياً ومتماسكاً كقوة ارتباط هؤلاء الإخوة ببعضهم وبتراب أرضهم. إنهم الأقمار التي أنارت عتمة الليالي القاسية، والسيوف التي لم تلمسها الرهبة رغم اشتداد المحنة وعظم البلاء في ميادين القتال.
■ اليوم لا نعزي آل ديدان، بل نهنئ الوطن بهم. فالدم الذي جرى في “عروق” كردفان هو ذاته الذي كتب عهد الوفاء، في ذات الوقت نؤكد بأننا على ذات العهد باقون، لا نبدل ولا نغير، حتى ترفرف رايات العزة فوق كل شبر من أرضنا، وفاءً لتلك الأرواح التي سقت هذه الأرض الطيبة.
▪️ عموماً.. ستبقى قصة هؤلاء الأشقاء شعلةً لا تنطفئ في صدور الشرفاء، تضيء لهم مسالك الوعي وتذكرهم بأن ثمن الحرية قد دُفع سلفاً، وممهوراً بتوقيع أربعة أشقاء لم يبخلوا على أمهم “السودان” بشيء.
▪️ سلامٌ على زاهر في الخالدين، وسلامٌ على إخوته الذين سبقوه بالعهد، وتحية إجلالٍ لوالدٍ ربى وسهر حتى استحق أن يُلقب بأبي الشهداء، في قصةٍ ستبقى منارةً تهتدي بها الأجيال حين يختلط عليها طريق الكرامة.
بِأٌمْنِيَةِ أبينا يُفْتَنُون
*{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِ…





