ما بين السلام والاستسلام والتسليم والانشقاق حكايات يكتبها التاريخ
د. ميمونة سعيد أبورقاب

ما بين السلام والاستسلام والتسليم والانشقاق، تتشكل أكثر فصول التاريخ تعقيدًا وإثارة، إذ لا تُقاس الأمم فقط بما تخوضه من حروب، بل بالطريقة التي تنهي بها صراعاتها، وبالقرارات التي تتخذها في اللحظات الحرجة التي تختلط فيها الحكمة بالخوف، والوطنية بالمصالح، والصمود بالتعب. فالحروب لا تبدأ فجأة، ولا تنتهي دائمًا بانتصار واضح، بل تمر بمراحل متداخلة تترك آثارها العميقة على الدول والمجتمعات والأجيال القادمة.
فالسلام في جوهره ليس مجرد توقف لإطلاق النار أو توقيع اتفاقات سياسية، بل هو حالة من التوازن القائم على العدالة وحفظ الكرامة والسيادة. السلام الحقيقي يولد عندما تدرك الأطراف المتصارعة أن استمرار النزاع يعني ضياع الجميع، وأن الوطن أكبر من الحسابات الضيقة والانتصارات المؤقتة. ولهذا بقي السلام في ذاكرة الشعوب أعظم الإنجازات عندما يأتي بعد صمود طويل وتضحيات جسيمة، لأنه لا يقوم على الإذلال، بل على إعادة بناء الثقة وفتح الطريق نحو الاستقرار والتنمية.
أما الاستسلام فهو الوجه الأكثر قسوة في مسار الصراعات، لأنه لا يأتي عادة من موقع الندية، بل من حالة إنهاك تجعل أحد الأطراف عاجزًا عن الاستمرار. وفي لحظة الاستسلام تنكسر موازين القوة النفسية قبل العسكرية، ويتحول القرار من خيار إلى ضرورة مفروضة تحت ضغط الواقع. ولهذا ارتبط مفهوم الاستسلام في الوعي الجمعي بالهزيمة وفقدان الإرادة، خاصة عندما يكون ثمنه التفريط في السيادة أو الكرامة الوطنية. ومع ذلك، فإن بعض الشعوب اضطرت للاستسلام حفاظًا على ما تبقى من وجودها بعد أن استنزفتها الحروب والكوارث.
وبين السلام والاستسلام يقف مفهوم “التسليم”، وهو أكثر غموضًا وتعقيدًا، لأنه قد يعبر عن قبولٍ بالأمر الواقع أو محاولة للتكيف مع موازين قوى جديدة. فالتسليم ليس دائمًا هزيمة كاملة، لكنه أحيانًا اعتراف بأن الاستمرار في المواجهة لم يعد ممكنًا أو مجديًا. وقد تلجأ الدول أو الجماعات إلى هذا الخيار عندما تصبح تكلفة الحرب أكبر من قدرة المجتمع على الاحتمال، فتختار تهدئة الصراع ولو على حساب بعض الطموحات أو المكاسب.
أما الانشقاق، فهو الحكاية الأخطر والأكثر تأثيرًا في مسار الدول والصراعات، لأنه لا يأتي من الخارج، بل يولد من داخل الصف الواحد. والانشقاقات لا تبدأ غالبًا بالسلاح، بل تبدأ بفقدان الثقة، وتضارب المصالح، وتراكم الخلافات السياسية أو العسكرية أو الفكرية. وعندما يتحول الخلاف إلى انقسام، يصبح الكيان نفسه مهددًا بالتفكك، لأن الخطر الداخلي يكون أشد فتكًا من أي عدو خارجي. فكثير من الدول والجيوش والحركات انهارت ليس بسبب قوة خصومها، بل بسبب التصدعات التي ضربتها من الداخل وأفقدتها وحدتها وقدرتها على الصمود.
والتاريخ مليء بحكايات تثبت أن الانشقاقات كثيرًا ما غيّرت مسار الحروب وأعادت تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات. فبعض الانشقاقات كانت سببًا في سقوط أنظمة كاملة، وبعضها أدى إلى اندلاع حروب أهلية طويلة، بينما تحولت أخرى إلى نقطة بداية لتوازنات سياسية جديدة. ولهذا تنظر الدول دائمًا إلى وحدة مؤسساتها العسكرية والسياسية باعتبارها خط الدفاع الأول عن بقائها واستقرارها.
وفي خضم هذه التحولات، يبقى الشعب هو الطرف الأكثر تأثرًا بكل ما يحدث. فبين دعاة السلام وأنصار المواجهة، وبين المؤيدين للانشقاق والرافضين له، تتحمل المجتمعات أعباء النزوح والخوف والانهيار الاقتصادي والاجتماعي. ولذلك فإن القرارات التي تُتخذ في غرف السياسة والقيادة لا تبقى مجرد حسابات نظرية، بل تتحول إلى واقع يومي يعيشه الناس في أمنهم ومعيشتهم ومستقبل أبنائهم.
وفي النهاية، لا ينسى التاريخ شيئًا. فهو يسجل كيف بدأت الأزمات، ومن أشعل الصراع، ومن حاول إيقافه، ومن اختار السلام، ومن دفع نحو الاستسلام، ومن سلّم بالأمر الواقع، ومن انشقّ فبدّل موازين القوى. لكن الحكم الحقيقي لا يصدر في لحظة الحرب، بل بعد أن تهدأ المعارك وتتكشف النتائج، حين تنظر الشعوب إلى الماضي لتعرف من حافظ على الوطن، ومن ساهم في تمزيقه، ومن جعل السلام طريقًا للنجاة، ومن حوّل الخلاف إلى جرحٍ طويلٍ في ذاكرة الأمة.
سقوط المليشيا..التحية لصبير وأركان حربه
في اي حروب لا تبدأ الهزائم الحقيقية من خطوط النار بل من الداخل حين تتآكل الثقة وتتصدع القي…





