‫الرئيسية‬ مقالات أنقرة والخرطوم: تحالف البناء والتعافي
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

أنقرة والخرطوم: تحالف البناء والتعافي

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

تشهد العلاقات السودانية التركية في الآونة الأخيرة تحولاً استراتيجياً متسارعاً يعكس عمق الروابط التاريخية وتلاقي المصالح الحيوية في مرحلة مفصلية من تاريخ السودان الحديث. ففي الوقت الذي تسعى فيه الدولة بكل ثقلها لتجاوز مخلفات الحرب والانطلاق نحو مرحلة حاسمة من إعادة الإعمار وبناء ما دمرته النزاعات، تبرز أنقرة كحليف استراتيجي وشريك تنموي موثوق قادر على تقديم الدعم اللوجستي والفني والاقتصادي اللازم لتحقيق هذه التطلعات. إن التحركات الدبلوماسية رفيعة المستوى التي تقودها الحكومة السودانية باتجاه العاصمة التركية، واللقاءات المكثفة التي تشمل ملفات حيوية متعددة، لا يمكن قراءتها مجرد زيارات بروتوكولية عابرة، بل هي تدشين لعهد جديد من التعاون البنيوي القائم على تحقيق الاستقرار، وتهيئة البيئة الأساسية لعودة المواطنين إلى مناطقهم، وإعادة الحياة إلى شرايين الاقتصاد الوطني عبر تفعيل اللجان الاقتصادية المشتركة والدبلوماسية المنتجة.

 

تأتي قضية إعادة بناء البنية التحتية، ولا سيما قطاع الكهرباء والطاقة، في مقدمة الأولويات التي ترسم ملامح هذا التعاون الاستراتيجي؛ إذ إن الحروب عادة ما تصيب المرافق الحيوية في مقتل، وتخريب شبكات التوزيع والمحطات التحويلية يمثل التحدي الأكبر أمام أي سلطة تسعى لإعادة الاستقرار وتأمين الخدمات الأساسية للمواطنين. ومن هنا، يكتسب الانفتاح السوداني على القدرات الصناعية التركية العملاقة دلالة بالغة الأهمية؛ حيث يمثل الاعتماد على المصانع التركية الكبرى المصنفة عالمياً في توريد المحولات والمكونات الشبكية خطوة عملية ومدروسة لتسريع وتيرة التعافي الكهربائي. إن الشراكة في هذا الصدد تتجاوز الاستيراد التجاري البسيط لتصل إلى تأسيس آليات تنسيق مشتركة تضمن استدامة الإمدادات ونقل المعرفة الفنية وتأهيل الشبكة الوطنية وفق أحدث المعايير الدولية، مما يمهد الطريق لنهضة صناعية وزراعية حقيقية لا يمكن أن تقوم لها قائمة دون قاعدة طاقة صلبة ومستقرة وممتدة تشمل كافة ربوع البلاد.
بالتوازي مع معركة الإعمار المادي والهندسي، يبرز البعد الإنساني والصحي كركيزة ثانية لا تقل أهمية في مسار العلاقات الثنائية، فالأزمات الحرجة دائماً ما تفحص صلابة التحالفات الدولية، وقد أثبتت المواقف الميدانية والدبلوماسية أن الدعم الطبي والدوائي التركي شكل صمام أمان لاستقرار الخدمات الصحية في السودان خلال الفترات العصيبة التي عصفت بالبلاد. ولم يتوقف الطموح المشترك عند حدود المساعدات الإنسانية العاجلة والإغاثة المؤقتة، بل امتد ليتجسد في حراك دبلوماسي موازٍ على هامش المنصات الدولية والمؤتمرات الأممية المعنية بالصحة العالمية، بغية صياغة رؤية مستقبلية شاملة للمنظومة الصحية السودانية. تتجسد هذه الرؤية في السعي نحو تفعيل مذكرات التفاهم الخاصة بالبروتوكولات العلاجية، وتوطين صناعة الدواء، والاستفادة من التجربة التركية الرائدة في إنشاء المدن الطبية والمستشفيات التخصصية الكبرى، فضلاً عن فتح آفاق واسعة لتدريب وتأهيل الكوادر السودانية في مجالات الخدمات التخصصية الدقيقة، مما يضمن بناء نظام صحي مرن ومستدام قادر على الصمود أمام الطوارئ.

 

إن النظرة الشاملة لطبيعة وتشكيلة الوفود الرسمية التي تقود هذه التفاهمات، والتي تضم قطاعات السيادة الاقتصادية والخدمية من مالية، وزراعة، وري، وطاقة، ومعادن، تؤكد أن التوجه نحو أنقرة يعبر عن استراتيجية رسمية متكاملة تتبناها حكومة الأمل لتعزيز علاقاتها الخارجية مع الدول الصديقة والشقيقة في المحيط الإقليمي والدولي. فالتركيز على أعمال اللجان الاقتصادية برئاسة القطاعات الزراعية، والبحث في مجالات الثروات المعدنية، يوضح وعياً عميقاً بضرورة استغلال الموارد الطبيعية الهائلة التي يذخر بها السودان عبر ربطها بالتكنولوجيا والتجربة التركية المتقدمة في ميكنة الزراعة وتطوير الإنتاج. هذا التكامل يمنح العلاقات الثنائية بعداً مستداماً يحميها من التقلبات السياسية، ويحولها إلى نموذج يحتذى به في التعاون البناء؛ فالخرطوم وهي تخطو بثبات نحو الغد، تجد في أنقرة شريكاً حريصاً على استقرارها ومستعداً للمساهمة الفعلية في تحويل خطط الإعمار والتنمية من شعارات نظرية إلى واقع ملموس يعيد صياغة المشهد السوداني بأكمله نحو الرفاه والنماء.

‫شاهد أيضًا‬

قائد القوات البرية: الشمالية حصن الأمن والتلاحم الوطني

تفقد قائد القوات البرية السودانية الفريق ركن مالك الطيب خوجلي قيادة الفرقة 19 مشاة مروي، ح…