يكتب: الرحلة المباركة إلى الديار المقدسة
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

وفي اللحظة التي غادرت فيها الخطوات أرض الوطن متجهةً نحو الديار المقدسة، لم يكن الحاج يدرك أنّه مقبلٌ على أيامٍ ليست كالأيام، وأنفاسٍ ليست كالأنفاس، ومشاهدٍ ليست كمشاهد الدنيا، بل كان مقبلاً على عبورٍ روحيٍّ عظيم، عبورٍ يبدّل القلب تبديلاً، ويغسل الروح غسلاً، ويعيد للإنسان فطرته الأولى التي خُلِق عليها، فطرة النقاء والسكينة والطمأنينة، فكانت الرحلة منذ بدايتها مغموسةً بالإيمان، مكلّلةً باليقين، محاطةً بالرحمة، كأنّها سفينةٌ تمخر عباب الزمن لتصل بالروح إلى شاطئٍ من نور، شاطئٍ تتلاشى عنده الهموم، وتذوب فيه الأثقال، وتنكشف فيه الحجب بين العبد وربّه، حتى يشعر الحاج أنّه لا يسافر بجسده فقط، بل تسافر روحه قبله، وتسبقه أشواقه،وترافقه دموعه، وتظلّله عناية الله في كل خطوةكانت الرحلة محمّلةً بفيضٍ من المشاعر التي لا تُشبه مشاعر الدنيا، مشاعرٌ تتقاطع فيها رهبة المناسك مع حلاوة الطاعة، وتلتقي فيها دموع الخشوع مع ابتسامات الرضا،وتتعانق فيها لحظات الانكسار أمام الله مع لحظات الرفعة بالقرب منه، حتى بدا الحاج كأنّه يعيش في عالمٍ آخر، عالمٍ تتنفس فيه القلوب قبل الأجساد، وتبصر فيه الأرواح قبل العيون، وتخشع فيه النفوس قبل الأصوات، وكانت الرحلة ممتلئةً بالإيمانيات التي لا تُحصى، إيمانياتٍ تتجلى في الطواف حول الكعبة حيث يشعر الحاج أنّه يدور مع الكون في انسجامٍ واحد، وفي السعي بين الصفا والمروة حيث يستعيد الإنسان قصة الصبر الأولى، وفي الوقوف بعرفة حيث تتجلى أعظم لحظات العمر، لحظاتٌ يذوب فيها الزمن، وتُرفع فيها الأكف،وتُغفر فيها الذنوب، وتُكتب فيها الصفحات البيضاء، وفي مزدلفة حيث يبيت القلب قبل الجسد، وفي منى حيث تُرمى الشهوات قبل الجمرات وفي خضم هذه الرحلة الإيمانية العظيمة التي تفيض بالسكينة وتغمر القلب بالطمأنينة، وتعيد للروح صفاءها الأول، يبرز مشهدٌ إنسانيٌّ نبيلٌ لا يمكن أن يمرّ دون أن يُكتب في سجل الامتنان، مشهدٌ يجسّد معنى الخدمة الحقيقية، ويعكس روح البذل والعطاء، ويُظهر كيف تكون الإنسانية حين تتجلى في أبهى صورها، ذلك المشهد الذي صنعه أفراد الأمن في المشاعر المقدسة، أولئك الرجال الذين وقفوا تحت الشمس الحارقة ساعاتٍ طوالاً، لا يطلبون راحةً ولا يبحثون عن ظل، بل يقدّمون أرواحهم قبل أجسادهم لخدمة ضيوف الرحمن، وكانوا في كل موقعٍ يصلون إليه يوزّعون ابتساماتهم قبل تعليماتهم، ويقدّمون إنسانيتهم قبل واجباتهم، حتى إذا اقتربوا من الحجاج السودانيين، أطلقوا تلك الكلمة التي يعرفها كل سوداني، كلمة “يازول” التي نطقوها بعفويةٍ صادقةٍ جعلت الحجاج يشعرون بأنّهم بين أهلهم، وأنّهم في وطنٍ يحتضنهم، وأنّ الأمن ليس سلطةً جامدة، بل قلبٌ نابضٌ بالاحترام والمودة، وأنّ المملكة العربية السعودية لا تخاطب ضيوف الرحمن بصفةٍ رسميةٍ جافة، بل تخاطبهم بلسانٍ يعرفونه، وبقلبٍ يفهمهم، وبروحٍ تلامس أرواحهم لقد كانت تلك اللحظة تجسيداً لمعنى القرب بين الإنسان وأخيه الإنسان، ومعنى التواضع الذي يرفع صاحبه، ومعنى الإنسانية التي لا تُصطنع، بل تُولد من قلبٍ يعرف قيمة الضيف، وتُعبّر عن دولةٍ جعلت خدمةالحجاج شرفاً لا يعلوه شرفاً، وجعلت الاحترام لغةً عالميةً يفهمها كل حاج، وجعلت البساطة جسراً يصل بين القلوب مهما اختلفت الأوطان وفي سياق هذه اللوحة الإنسانية الرفيعة، تتجلّى الجهود العظيمة التي بذلتها المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وأمير منطقة مكة المكرمة، وكل الأجهزة الأمنية والنظامية والصحية والخدمية،جهودٌ لا يمكن وصفها إلا بأنّها ملحمةٌ من التنظيم، أسطورةٌ من الإدارة، نموذجٌ عالميٌّ في خدمة ضيوف الرحمن، فقد بدت المشاعر المقدسة وكأنّها مدينةٌ من نور، تتحرك فيها القلوب قبل الأقدام، وتنبض فيها الأرواح قبل الأنفاس، وتظهر فيها آثار العناية الربانية ممتزجةً بحكمة القيادة وحنكة الإدارة ودقة التنظيم، حتى بدا الحج منظومةً متكاملةً من الأمن والسكينة والراحة والرفاهيةوقد شهد الحاج هذا العام نقلةً نوعيةً غير مسبوقة، تمثّلت في التبريد الشامل للمشاعر المقدسة، وفي الهواء البارد الذي يخرج من تحت الأرض في عرفات لأول مرة، وفي الطرقات التي يدخل منها الحاج من شارعٍ ويخرج من آخر دون تزاحم، وفي الانسيابية التي تُشبه المعجزة، وفي الخدمات التي لا تتوقف، وفي الرعاية التي لا تنام، حتى بدا المشهد وكأنّ الطبيعة نفسها قد خضعت لأمرٍ إلهيّ لتكون عوناً للحجاج، وكأنّ التنظيم ليس تنظيماً بشرياً فقط، بل توفيقاً من عند الله وتسديداً من السماء وبركةً تحيط بكل خطوةٍ يخطوها الحاج في تلك الأيام المباركة.
وفي ختام هذه الرحلة، لا يملك القلب إلا أن يفيض حباً، ولا تملك الروح إلا أن تنحني امتناناً، ولا تملك العين إلا أن تدمع دهشةً، ولا يملك اللسان إلا أن يقول يا رب، كما أكرمتني بالحج، فأكرمني بالقبول
وكما جمّلت رحلتي، فجمّل حياتي
وكما رأيتُ جمال تنظيم عبادتك، فأرني جمال لقائك وكما أحببتُ مكة والمدينة، فلا تحرمني منهما أبداً وتبقى هذه الرحلة محفورةً في القلب نقشاً لا يُمحى وتبقى الدهشة معلّقةً في الروح دهراً لا يزول
ويبقى الحب ممتداً ما امتدّ العمر
ويبقى الامتنان صادقاً ما بقيت الحياةويبقى الحج شاهداً على أنّ الله إذا أراد بعبدٍ خيراً، فتح له باباً إلى بيته، ثم فتح له باباً إلى قلبه، ثم فتح له باباً إلى نورٍ لا ينطفئ.
ولذلك فإنّ الشكر للمملكة العربية السعودية ليس شكراً عابراً، ولا عبارةً تُقال ثم تُنسى، بل هو شكرٌ يخرج من القلب خروجاً صادقاً، ويصعد إلى السماء صعوداً طاهراً، ويُكتب في صحائف الدعاء كتابةً خالصة، شكرٌ يليق بدولةٍ جعلت خدمة الحرمين الشريفين رسالةً مقدسةً، وجعلت رعاية ضيوف الرحمن واجباً عظيماً، وجعلت أمن الحجاج وسلامتهم وراحتهم أولويةً لا يعلو فوقها شيء، نسأل الله أن يوفق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعودا، وأن يؤيد ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وأن يبارك في جهودهم، وأن يجعل ما قدّموا في ميزان حسناتهم، وأن يحفظ المملكة العربية السعودية قيادةً وشعباً، وأن يديم عليها الأمن والإيمان والرخاء والعطاء،إنه ولي ذلك والقادر عليه.
دمتم سالمين وفي رعاية الله وحفظه.
meehad74@gmail.com
أين تتجه بوصلة رئيس الوزراء بعد عام من التجريب ؟
شهد الحادي والثلاثين من مايو عام 2025م منعرجاً حاسماً في مسيرة الحكم بالسودان، حيث وقف ال…





