تآكل اليقين: قراءة في ما لا تقوله الحرب
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

> في الحروب الكبرى، لا تأتي اللحظات الفاصلة دائماً على هيئة معارك حاسمة أو بيانات نصر واضحة.
> أحياناً تأتي في شكل سؤال.
> وأحياناً في شكل تصريح.
> وأحياناً في شكل صمت طويل يتخلله ارتباك خفيف في لغة الخطاب.
لكن الأكثر خطورة من كل ذلك، هو عندما تبدأ الإشارات الصغيرة في التحول إلى نمط متكرر يمكن قراءته ، هنا تحديداً تبدأ الاستراتيجية، لا الدعاية ، ويبدأ التحليل، لا الانفعال.
في هذا السياق يمكن فهم الطرح الذي قدمه الإعلامي الأستاذ / ضياء الدين بلال، حين فتح سؤالاً بالغ الحساسية حول مصير القيادات المؤثرة داخل أي تنظيم مسلح إذا قررت الانحياز إلى الجيش ، لم يكن السؤال في ظاهره تنظيراً سياسياً، بل كان تفكيكاً لثلاثة نماذج محتملة لإدارة هذا النوع من التحولات:
● رفض كامل.
● أو قبول مصحوب بالمحاسبة الصارمة.
● أو احتواء ذكي يفتح الباب أمام مزيد من الانشقاقات.
لكن ما وراء هذه النماذج الثلاثة لم يكن نقاشاً إجرائياً ، بل كان اختباراً لفلسفة إدارة الحرب نفسها.
■ هل تُدار الحرب بعقلية الإغلاق؟
■ أم بعقلية التفكيك؟
■ وهل الهدف هو فقط هزيمة الخصم في الميدان؟
■ أم تسريع انهياره من الداخل؟
استراتيجيا، لا تُقاس قيمة الانشقاق بعدد الأفراد الذين يغادرون، بل بنوعيتهم وموقعهم داخل البنية التنظيمية ، فخروج عنصر عادي لا يعادل خروج قائد يمتلك شبكة تأثير، ومعلومات، وصلات داخلية لأن هذا النوع من الانشقاق لا ينقل شخصاً فقط، بل ينقل (سردية كاملة) من داخل الخصم إلى خارجه.
● سردية الشك.
● وسردية التردد.
● وسردية إعادة الحسابات.
> وهنا يصبح الانشقاق رسالة، لا حدثاً ومؤشراً، لا واقعة.
ولهذا كانت النقطة الأكثر دلالة في طرح الاستاذ / ضياء الدين بلال هي فكرة (طريقة الاستقبال) فالمسألة لم تعد: هل نستقبل أم نرفض؟ ، بل أصبحت: كيف يتم الاستقبال؟
لأن طريقة التعامل مع المنشقين تتحول إلى رسالة موجهة إلى الداخل قبل الخارج إلى من بقي داخل التنظيم لا إلى من خرج منهم . وفي مثل هكذا حروب ، هذه الرسائل قد تكون أخطر من الرصاص نفسه ، لأن الجيوش لا تنهار فقط عندما تُهزم عسكرياً، بل : ○ عندما يبدأ اليقين داخلها بالتآكل.
○ عندما تتحول الثقة إلى سؤال.
○ والسؤال إلى تردد.
○ والتردد إلى بحث عن مخارج.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الإشارة إلى بعض الخطابات الصادرة من داخل قيادةقوات الدعمالسريع، تحديدا ما صدر عن قائد ثاني قوات الدعم السريع بشأن الاستعداد لقبول الهدنة أو وقف الحرب.
مهما كان تقييم هذا الخطاب سياسياً، فإن أهميته التحليلية تكمن في كونه يعكس انتقالاً تدريجياً في طبيعة اللغة المستخدمة من لغة الحسم المطلق إلى لغة الاستعداد لإدارة التهدئة. وفي التحليل الاستراتيجي، تغيير اللغة لا يقل أهمية عن تغيير الميدان ، لأن اللغة هنا ليست وصفاً للواقع فقط، بل أداة لصناعة التوقعات داخله ، وكل تحول في الخطاب العلني، ينعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على المزاج الداخلي للعناصر المنخرطة في الصراع.
لكن الصورة لا تكتمل عند هذا الحد ، ففي الوقت الذي تُقرأ فيه التصريحات السياسية، تظهر على الأرض مؤشرات أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بالبيئة الاجتماعية التي تشكل حواضن لهذا النوع من الصراعات.
ومن ذلك ما يشهده إقليم دارفور من توترات واحتكاكات بين قبيلتي السلامات والبني هلبة، وهي بيئات ارتبطت تاريخياً بدرجات متفاوتة من التعقيد داخل المشهد السوداني المسلح.
هذه الأحداث، في قراءتها الاستراتيجية، لا تُفهم كوقائع معزولة، بل كمؤشرات على الضغوط التي تتعرض لها البنية الاجتماعية الحاضنة لقوات الدعم السريع.
> فالحروب الطويلة لا تستنزف المقاتلين فقط، بل تستنزف أيضاً شبكات الدعم الاجتماعي التي تغذي استمرارها.
ومع الزمن، تبدأ هذه الشبكات في إعادة تعريف أولوياتها.
○ من دعم الصراع إلى حماية الذات.
○ ومن الانخراط إلى التحوط.
○ ومن الانحياز الكامل إلى إعادة التموضع.
وهنا تظهر أولى علامات التحول الحقيقي في مسار أي حرب طويلة.
● حين يبدأ مركز الثقل بالانتقال من الميدان إلى المجتمع.
● ومن الأيديولوجيا إلى الحسابات المحلية.
● ومن المشروع الكبير إلى التفاصيل الصغيرة التي تمس البقاء اليومي.
إن جمع هذه المؤشرات معا _ خطاب الانفتاح على التهدئة، الحديث عن الانشقاقات المحتملة، والتوترات داخل بعض البيئات الحاضنة _ لا يجب قراءته بشكل منفصل ، بل بوصفه لوحة واحدة تتحرك ببطء نحو إعادة تشكيل المشهد.
ففي علم الاستراتيجية، لا تسقط الأنظمة دفعة واحدة ، بل تبدأ أولاً بفقدان التماسك الداخلي ، ثم فقدان اليقين ، ثم فقدان القدرة على التوقع ، ثم الدخول في مرحلة البحث عن مخارج.
وهنا نصل إلى جوهر السؤال الذي يطرحه الواقع قبل التحليل:
> هل نحن أمام حرب تُدار بمنطق الحسم فقط؟
> أم أمام حرب بدأت تتحول إلى اختبار لإدارة التفكك من الداخل؟
في إطار رؤية الجسر والمورد، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة في لحظة صراع ليس فقط قوة الخصم، بل لحظة انهيار يقينه هو نفسه ، لأن الدولة الذكية لا تنتظر سقوط الخصم فقط، بل تفهم كيف يسقط ، وكيف يمكن تسريع لحظة السقوط دون تفكيك الدولة نفسها.
وهنا يصبح السؤال الاستراتيجي الحقيقي ليس:
> هل نقبل الانشقاق أم نرفضه؟
بل:
> كيف ندير الانشقاق باعتباره جزءاً من هندسة نهاية الحرب، لا مجرد حادثة داخلها؟
ذلك هو الفارق بين إدارة معركة… وإدارة مستقبل.
وهنا بالضبط #أصل_القضية
حلم التكامل في زمن الانقسام: مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ومستقبل السودان
Ghariba2013@gmail.com تمرّ العقود وتتبدل الخرائط السياسية، وتظل الفكرة القومية تبحث عن جسد…





