هل للأخطاء دين؟تأصيل شرعي في التفريق بين المعصية والكفر، وبين نقد الأفعال والطعن في الإسلام. (٣)
خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

من أكثر ما يؤسف له في بعض الخطابات الفكرية المعاصرة أنها لم تعد تكتفي بنقد الأخطاء أو محاسبة أصحابها، بل تجاوزت ذلك إلى تحميل الدين نفسه تبعات تلك الأخطاء، حتى أصبح من السهل عند البعض أن يُنسب إلى الإسلام ما هو في حقيقته من تصرفات البشر واجتهاداتهم وانحرافاتهم.
وهذا خلطٌ خطير، يخالف نصوص الشريعة، ومنهج أهل السنة والجماعة، وقواعد الإنصاف.
فالإسلام دين الله الكامل الذي لا نقص فيه ولا خلل، قال تعالى: *﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾* [آل عمران: 19].
أما البشر، مهما علت منازلهم، فهم غير معصومين، يصيبون ويخطئون، ويستقيمون وينحرفون، ولذلك قال الإمام مالك رحمه الله: *”كل يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر”، وأشار إلى قبر النبي ﷺ.*
ومن هنا كان الواجب التفريق بين الدين المعصوم، وبين اجتهادات البشر وأخطائهم.
*فقد يقع بعض المنتسبين إلى الإسلام في الظلم، أو المحاباة، أو الاستبداد، أو استغلال الدين لتحقيق مصالح دنيوية، أو تقديم الولاء الحزبي على مقتضى العدل، أو مخالفة أحكام الشرع في بعض التصرفات، أو غير ذلك من صور الانحراف. وكل هذه الأفعال محرمة، ولا يجوز لمسلم أن يدافع عنها، بل الواجب إنكارها، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾* [النحل: 90]، وقوله سبحانه: *﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾* [النساء: 58]، وقول النبي ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». رواه أحمد.
لكن يبقى السؤال الجوهري:
*هل هذه الأخطاء تصنع دينًا جديدًا؟* والجواب الذي دل عليه القرآن والسنة وإجماع أهل السنة: لا.
*فالمعصية ليست كفرًا، والظلم ليس كفرًا، والبدعة ليست كفرًا بإطلاق، ولا يتحول المسلم إلى صاحب دين جديد لمجرد وقوعه في الخطأ.*
قال الله تعالى: *﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرِكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾* [النساء: 48]. *ففرّق سبحانه بين الشرك، وبين ما دونه من الذنوب، مما يدل على أن الذنوب – مهما عظمت -* *لا تُلحق صاحبها بالكفر ما لم يأت بناقض من نواقض الإسلام.*
وقال النبي ﷺ: *«كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون»* رواه الترمذي.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: *”ليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة.”* مجموع الفتاوى (12/500).
وقال أيضًا: *”وأهل السنة لا يكفرون أهل القبلة بمجرد الذنوب.”*منهاج السنة (5/247).
*ومن القواعد العظيمة التي قررها أئمة السلف أن المسلم قد يجتمع فيه إيمان ومعصية، وسنة وبدعة، وطاعة ومخالفة، فيُحب لما معه من الإيمان، *ويُبغض ما معه من المعصية، ولا يُخرج من الإسلام إلا بدليل بيّن.* قال الإمام الذهبي رحمه الله: *”ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً* *مغفورًا له قمنا عليه وبدعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين.”* سير أعلام النبلاء (14/39).
وقال أيضًا: *”الكمال عزيز، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ.”*سير أعلام النبلاء (8/93).
وهذا هو منهج أهل السنة: رد الخطأ دون إسقاط صاحبه، والعدل مع الموافق والمخالف، وعدم تحويل أخطاء البشر إلى دين مستقل.
*أما إذا ظهر مذهب يقوم على أصول تناقض الإسلام نفسه، كإنكار المعلوم من الدين بالضرورة، أو ادعاء النبوة بعد محمد ﷺ، أو رد القرآن، أو إبطال السنة، أو جعل التشريع للبشر بدلًا من الله، أو الدعوة إلى ملة تناقض ما جاء به النبي ﷺ، فهنا نتحدث عن مذهب يخالف الإسلام في أصوله، ويصح أن يُوصف بأنه دين مخالف لدين الإسلام؛ لأن الخلاف هنا ليس في معصية أو اجتهاد أو ظلم، وإنما في أصل الدين والعقيدة.* قال تعالى:
*﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾* [آل عمران: 85]. *ومن هنا يظهر الفرق بين من يؤمن بأصول الإسلام ويقع في أخطاء أو بدع أو معاصٍ، وبين من يبني مذهبًا يناقض الإسلام في أصوله. فالأول يُرد خطؤه، ويُنصح، ويُتبرأ من فعله، ولا يُقال إن له دينًا آخر. أما الثاني فقد فارق الإسلام في أصوله، فيصح وصف مذهبه بأنه مخالف لدين الإسلام.*
*ولهذا فإن المسلم حين يتبرأ من الظلم، أو الفساد، أو الاستبداد، أو المحاباة، أو استغلال الدين لتحقيق المصالح، أو تقديم الولاءات الحزبية على أحكام الشرع، فإنه إنما يتبرأ من أفعال محرمة نهى الله عنها، ولا يتبرأ من الإسلام الذي حرمها أصلًا.*
ولو قيل إن كل جماعة أخطأت صار لها دين خاص، لتعددت الأديان بتعدد أخطاء المسلمين، وهذا باطل شرعًا وعقلًا، ولم يقل به أحد من أئمة الإسلام.
*إن من أخطر ما يروجه خصوم الإسلام أنهم يجعلون أخطاء بعض المنتسبين إليه دليلًا على فساد الإسلام نفسه، فينتقلون بالنقاش من نقد الأفعال إلى الطعن في الدين. ومن حيث لا يشعر بعض الناس، قد يستعملون الألفاظ نفسها التي يريدها هؤلاء الخصوم، فيخدمون هذا المسلك وهم يقصدون نقد الأخطاء لا نقد الإسلام.*
ولهذا فإن الواجب على المسلم أن يكون دقيقًا في ألفاظه، عادلًا في أحكامه، فيتبرأ من كل ما خالف الكتاب والسنة، لكنه لا يحمل دين الله أخطاء البشر، ولا يجعل المعاصي والبدع والاجتهادات الفاسدة دينًا جديدًا.
ويبقى الميزان الذي لا يتغير هو قول الله تعالى: *﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59].*
*فالأشخاص يُخطئون ويُصيبون، والجماعات تُنقد وتُقوَّم، أما دين الله فلا يُدان بأخطاء المنتسبين إليه، لأنه الدين الذي أكمله الله، وحفظه، وجعله هداية للعالمين*
الحزب الشيوعي السوداني والرق في السودان
قبل سنوات، وفي بداية عهد الدكتور حمدوك؛ عرضت فضائية الرشيد سعيد ولقمان أحمد حلقة عن الرق ف…





