‫الرئيسية‬ مقالات أديس أبابا: وسيط أم طرف؟
مقالات - ‫‫‫‏‫16 ثانية مضت‬

أديس أبابا: وسيط أم طرف؟

اسماعيل شريف

كلما اقترب الحديث عن استئناف مسار سياسي لإنهاء الحرب في السودان، تعود أديس أبابا إلى واجهة المشهد باعتبارها إحدى العواصم المرشحة لاستضافة المفاوضات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت العاصمة الإثيوبية قادرة على توفير قاعات التفاوض أو الترتيبات اللوجستية، بل ما إذا كانت تحظى بالقدر الكافي من الثقة والحياد الذي يؤهلها للعب دور في صناعة السلام السوداني.

 

الوساطة في النزاعات لا تقوم على الجغرافيا وحدها، وإنما على القبول السياسي من الأطراف المتحاربة. وكلما تراجعت الثقة في الوسيط أو الدولة المستضيفة، أصبحت المفاوضات نفسها محل خلاف قبل أن تبدأ.

تواجه إثيوبيا في هذا السياق تحدياً حقيقياً. فالحكومة السودانية وجهت خلال الفترة الماضية اتهامات متكررة تتعلق بمواقف أديس أبابا من الحرب، كما أثيرت تساؤلات حول أنشطة وتحركات مرتبطة بالصراع انطلقت من مناطق حدودية أو عبر المجال الإثيوبي. وبصرف النظر عن صحة هذه الاتهامات أو حجمها، فإن أثرها السياسي واضح؛ إذ إنها تؤثر على مستوى الثقة المطلوب لإنجاح أي عملية تفاوضية.

 

وفي المقابل، يرى آخرون أن إثيوبيا تمتلك خبرة طويلة في استضافة الحوارات السودانية، وأن وجود مقر الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا يمنحها ميزة سياسية ولوجستية لا تتوفر في كثير من العواصم الأخرى. كما أن استقرار السودان يمثل مصلحة مباشرة لإثيوبيا بحكم الجوار والتداخل الاقتصادي والأمني بين البلدين.

 

*هل تمتلك إثيوبيا مصلحة حقيقية في وقف الحرب؟*

 

الإجابة ليست بسيطة. فمن جهة، يشكل استمرار الحرب عبئاً أمنياً واقتصادياً على المنطقة بأكملها، ويهدد الاستقرار في القرن الإفريقي، ويزيد من تدفقات اللاجئين ويعطل فرص التعاون الإقليمي. ومن جهة أخرى، يرى بعض المراقبين أن انشغال السودان بحربه الداخلية أضعف حضوره في ملفات إقليمية خلافية مهمة بالنسبة لإثيوبيا، وعلى رأسها قضايا الحدود وسد النهضة.

وبين هذين الاعتبارين تبدو المصلحة الإثيوبية مرتبطة قبل كل شيء بوجود سودان مستقر وقادر على أداء وظائف الدولة، لكن من دون أن يتحول إلى مصدر تهديد أو خصومة إقليمية.

ويبرز هنا سؤال آخر لا يقل أهمية إذا انعقدت المفاوضات في أديس أبابا، فهل ستكون تحت مظلة إثيوبيا الدولة أم تحت مظلة الاتحاد الإفريقي؟

التمييز بين الأمرين ضروري. فاستضافة المفاوضات في العاصمة الإثيوبية لا تعني بالضرورة أن الحكومة الإثيوبية هي التي تدير الوساطة. فالاتحاد الإفريقي، الذي يتخذ من أديس أبابا مقراً له، يمتلك آلياته ومؤسساته الخاصة المعنية بإدارة النزاعات وصناعة السلام. ومن الناحية النظرية، يمكن أن تُعقد المفاوضات في أديس أبابا تحت إشراف الاتحاد الإفريقي أو أي آلية إقليمية أو دولية أخرى دون أن تكون إثيوبيا هي الوسيط المباشر.

 

غير أن الواقع السياسي أكثر تعقيداً من الجانب النظري. فحين تكون الدولة المضيفة طرفاً في خلافات قائمة أو موضع شك من أحد أطراف النزاع، فإن الفصل بين الدولة والمنظمة المستضيفة يصبح أمراً صعباً في نظر المتفاوضين.

لهذا فإن نجاح أي مسار تفاوضي يُعقد في أديس أبابا سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الاتحاد الإفريقي والجهات الراعية على توفير ضمانات كافية للحياد والاستقلالية، وعلى إقناع الأطراف السودانية بأن مكان التفاوض لن يكون عاملاً إضافياً في تعقيد الأزمة.

 

في نهاية المطاف، لا تكمن المشكلة في أديس أبابا كمدينة، بل في مستوى الثقة السياسية المتاح لها لدى الأطراف السودانية. فالسلام لا تصنعه القاعات الفخمة ولا العواصم الشهيرة باستضافة المؤتمرات، وإنما تصنعه الثقة المتبادلة والإرادة السياسية والاقتناع بأن الوسيط يقف على مسافة واحدة من الجميع.

ومن هنا يبقى السؤال مفتوحاً هل تستطيع أديس أبابا أن تقدم نفسها وسيطاً مقبولاً للجميع، أم أن الشكوك المتبادلة تجعلها أقرب إلى طرف في الأزمة منها إلى جسر نحو السلام؟

‫شاهد أيضًا‬

(عدل ناس سيدي) !!

جدنا السيد الأمين رحمه الله رحمة واسعة، وهو يومئذ (ختمي على السكين)، وعلي خلفية رفض الاسلا…