‫الرئيسية‬ مقالات ما وراء مؤتمر أديس أبابا.. تفاوض من أجل السلام أم صراع على تشكيل السودان القادم؟
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

ما وراء مؤتمر أديس أبابا.. تفاوض من أجل السلام أم صراع على تشكيل السودان القادم؟

حديث الساعة إلهام سالم منصور

في السياسة لا تُقرأ المؤتمرات من خلال بياناتها الختامية فقط، وإنما من خلال التوقيت، والمشاركين، والجهات الراعية، والرسائل المعلنة والخفية التي تحملها. ومن هذا المنطلق فإن مؤتمر أديس أبابا الأخير لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد لقاء سياسي عابر، بل يمثل محطة مفصلية في مسار الأزمة السودانية، وربما يكون بداية لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري في البلاد.

لقد جاء المؤتمر في وقت يشهد فيه السودان متغيرات كبيرة على الأرض، حيث تتبدل موازين القوى العسكرية بصورة متسارعة، وتتزايد الضغوط الإقليمية والدولية للوصول إلى تسوية توقف الحرب التي أثقلت كاهل المواطن السوداني وأدخلت البلاد في واحدة من أصعب المراحل في تاريخها الحديث.

أديس أبابا.. لماذا الآن؟

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا جاء المؤتمر في هذا التوقيت بالذات؟

الإجابة تكمن في أن المجتمعين الإقليمي والدولي باتا يدركان أن استمرار الحرب لفترة أطول ستكون له تداعيات خطيرة على المنطقة بأكملها، وليس على السودان وحده. فالسودان يمثل قلب القرن الأفريقي وبوابة استراتيجية للبحر الأحمر، وأي حالة عدم استقرار طويلة الأمد ستؤثر على الأمن الإقليمي وحركة التجارة الدولية ومصالح العديد من الدول.

لذلك يمكن القول إن مؤتمر أديس لم يكن مجرد مبادرة سياسية، بل كان محاولة لإيجاد مخرج قبل أن تصل الأزمة إلى مرحلة يصعب التحكم في نتائجها.

الرسائل الخفية للمؤتمر

بعيداً عن العبارات الدبلوماسية التي تتحدث عن السلام والحوار، فإن المؤتمر حمل عدة رسائل سياسية مهمة.

أولى هذه الرسائل أن المجتمع الدولي لا يزال يبحث عن صيغة لإدارة الأزمة السودانية عبر التفاوض بدلاً عن الحسم العسكري الكامل.

أما الرسالة الثانية فهي أن القوى السياسية السودانية ما زالت حاضرة في المشهد رغم التحولات العسكرية، وأن هناك محاولة لإعادة ترتيب دورها في المرحلة المقبلة.

والرسالة الثالثة أن الأطراف الإقليمية والدولية تسعى إلى المحافظة على وحدة السودان ومنع انزلاقه إلى سيناريوهات التفكك أو الانقسام التي شهدتها بعض الدول في المنطقة.

الأزمة الحقيقية.. غياب الثقة

ما كشفه مؤتمر أديس بوضوح هو أن الأزمة السودانية لم تعد أزمة حرب فقط، بل أصبحت أزمة ثقة عميقة بين مختلف المكونات السياسية.

فكل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره جزءاً من المشكلة وليس جزءاً من الحل.

وهذه الأزمة هي الأخطر، لأن إعادة بناء الثقة بين السودانيين أصعب بكثير من توقيع اتفاق سياسي أو وقف إطلاق نار مؤقت.

إن الدول لا تبنى بالوثائق وحدها، وإنما تبنى بالتوافق الوطني والشعور المشترك بالمصير الواحد.

أين يقف المواطن السوداني؟

في الوقت الذي تنشغل فيه النخب السياسية بتفاصيل المبادرات والمؤتمرات، يبقى المواطن السوداني هو الطرف الأكثر تضرراً.

المواطن الذي فقد منزله يريد العودة.

والمزارع يريد أن يعود إلى أرضه.

والطالب يريد أن يعود إلى مقاعد الدراسة.

والتاجر يريد أن تعود الأسواق إلى نشاطها.

والمريض يريد مستشفى يعمل.

والموظف يريد راتباً يكفي أسرته.

هذه هي القضايا الحقيقية التي تشغل الشارع السوداني اليوم، وهي المعيار الذي سيقاس به نجاح أو فشل أي مبادرة سياسية.

المؤسسة العسكرية ومعادلة المستقبل

من أهم الحقائق التي أفرزتها الحرب أن المؤسسة العسكرية السودانية أصبحت تمثل حجر الزاوية في أي ترتيبات مستقبلية.

فهي المؤسسة الوطنية الأقدم والأكثر تنظيماً داخل الدولة السودانية.

ولهذا فإن أي مشروع سياسي يتجاوز هذا الواقع أو يحاول القفز فوقه سيكون مشروعاً بعيداً عن الواقع العملي.

وفي المقابل فإن مسؤولية المؤسسة العسكرية لا تقتصر على إدارة المعركة العسكرية فقط، بل تمتد إلى المساهمة في حماية وحدة الدولة وتهيئة الظروف لاستقرار سياسي مستدام.

التدخلات الخارجية.. بين الدعم والوصاية

من القضايا التي ظلت تثير الجدل في الساحة السودانية مسألة التدخلات الخارجية.

فالبعض يرى أن السودان يحتاج إلى دعم المجتمع الدولي لإنهاء الحرب.

بينما يرى آخرون أن كثرة التدخلات الخارجية كانت أحد أسباب تعقيد الأزمة.

والحقيقة أن السودان بحاجة إلى دعم الأصدقاء والأشقاء، لكنه في الوقت نفسه بحاجة إلى المحافظة على استقلال قراره الوطني.

فالتجارب أثبتت أن الحلول المستوردة لا تنجح إذا لم تجد قبولاً حقيقياً داخل المجتمع السوداني.

ماذا بعد أديس؟

هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية يمكن أن تترتب على مخرجات المؤتمر:

أولاً: نجاح التوافق السياسي

وهو السيناريو الذي يتمنى الجميع حدوثه، حيث تتوصل الأطراف المختلفة إلى تفاهمات تقود إلى وقف الحرب والانطلاق نحو مرحلة جديدة من الاستقرار.

ثانياً: استمرار حالة الجمود

بحيث تبقى المؤتمرات واللقاءات مستمرة دون تحقيق اختراق حقيقي في الأزمة.

ثالثاً: فرض الواقع الميداني

وهو السيناريو الذي يجعل التطورات العسكرية هي العامل الأساسي في رسم شكل التسوية السياسية المقبلة.

السودان الذي نريده

السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات.

لا يحتاج إلى معارك سياسية جديدة.

ولا يحتاج إلى اصطفافات ضيقة تقوم على الجهة أو القبيلة أو الحزب.

بل يحتاج إلى مشروع وطني كبير يجمع السودانيين حول هدف واحد هو بناء دولة قوية وعادلة ومستقرة.

دولة تحترم التنوع.

وتحفظ الحقوق.

وتحقق التنمية.

وتوفر الأمن للمواطن.

وتعيد للسودان مكانته الطبيعية بين الأمم.

 

سيظل مؤتمر أديس أبابا حدثاً مهماً في مسار الأزمة السودانية، لكن قيمته الحقيقية لن تقاس بعدد المشاركين أو حجم البيانات الصادرة عنه، وإنما بقدرته على فتح الطريق نحو سلام حقيقي ومستدام.

لقد دفع السودان ثمناً باهظاً للحرب والانقسام، وأصبح لزاماً على الجميع أن يدركوا أن الوطن أكبر من الأحزاب، وأكبر من المناصب، وأكبر من المصالح الآنية.

فالتاريخ لا يخلد الذين أشعلوا الخلافات، بل يخلد الذين صنعوا السلام وحافظوا على الأوطان.

رسالة الساعة:

السودان يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، وما بين أديس أبابا والخرطوم تمتد أسئلة المستقبل. فإما أن ينتصر صوت الحكمة وتغلب المصلحة الوطنية، وإما أن تستمر دائرة الصراع التي لا رابح فيها سوى الخراب. والوطن اليوم يحتاج إلى رجال دولة يقدمون السودان أولاً وأخيراً، لأن الأوطان لا تبنى بالشعارات، وإنما بالإرادة الوطنية الصادقة والعمل المسؤول.

الخميس ٤يونيو٢٠٢٤

‫شاهد أيضًا‬

ارتفاع سقف المطالبة بالفيدرالية   

جدد مقرر المجلس الاعلي لنظارات البجا الزعيم عبد الله اوبشار دعوته لكافة القوي السياسية وال…