‫الرئيسية‬ مقالات مليشيا الدعم السريع تنفذ إعدامًا أكاديميًا للطلاب
مقالات - ‫‫‫‏‫57 دقيقة مضت‬

مليشيا الدعم السريع تنفذ إعدامًا أكاديميًا للطلاب

إبراهيم جمعة

في الوقت الذي تتوالى فيه الهزائم العسكرية لمليشيا الدعم السريع، وتضيق عليها الأرض بما رحبت في مختلف محاور القتال أمام ضربات القوات المسلحة السودانية، بدأت المليشيا المتمردة في البحث عن أوراق ضغط بديلة لتعويض إنكسارها الميداني. ولم تجد المليشيا ورقة أكثر دناءة من المساومة بمستقبل أجيال كاملة، عبر إعلانها الباطل وغير القانوني عن إنعقاد إمتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرتها بإقليم دارفور، في محاولة بائسة لتقمص دور الحكومة الشرعية وممارسة “تأسيس” مزعوم لا وجود له إلا في مخيلتها.

 

إن هذا المسلك لا يمكن تصنيفه إلا كعملية غسيل سياسي فاشلة، ومتاجرة رخيصة بالتعليم، تهدف في المقام الأول إلى الضغط على الحكومة الشرعية في الخرطوم للرضوخ لابتزازها، ومحاولة لفت نظر المجتمع الدولي الذي حسم أمره مسبقًا بعدم الإعتراف بأي شرعية لهذه المليشيا أو ما ينتج عنها.

 

تأتي هذه الخطوة من جانب المليشيا بعد أن فقدت المعارك العسكرية في معظم جبهات القتال، وتحولت من الهجوم إلى الدفاع والإنحسار. ومع تعاظم الخسائر، لجأت قيادة المليشيا إلى إستخدام الطلاب والعملية التعليمية كـ”دروع بشرية سياسية”؛ فالإعلان عن قيام إمتحانات بمعزل عن وزارة التربية والتعليم الاتحادية ليس حرصًا على مستقبل الطلاب، بل هو محاولة بائسة لإرسال رسائل للمجتمع الدولي والمنظمات الأممية بأنها تدير “سلطة أمر واقع” قادرة على تسيير المرفق التعليمي، وهو إدعاء تكذبه دماء الأبرياء وتخريب المدارس والجامعات التي حولتها المليشيا إلى ثكنات عسكرية ومعتقلات.

 

تثير هذه الخطوة العبثية تساؤلات جوهرية وقانونية تضع مستقبل الطلاب الذين ينخدعون بوعود المليشيا في مهب الريح. فالشهادة السودانية ليست مجرد أوراق تُطبع وتُوزع، بل هي وثيقة سيادية تخضع لإجراءات تأمين صارمة، وتشرف عليها أعمال كنترول مركزية معقدة تشترك فيها أجهزة الدولة الرسمية. وبناءً على ذلك، تبرز الأسئلة الصادمة:

من سيقوم بتوثيق هذه الشهادات؟ وزارة الخارجية السودانية هي الجهة الوحيدة المخولة بتوثيق الشهادات والمعترف بها دوليا ، وهي تتبع للحكومة الشرعية بالخرطوم .

وأي جامعة ستقبل هؤلاء الطلاب؟ الجامعات السودانية الحكومية والأهلية، والجامعات الإقليمية والدولية لا تتعامل إلا مع شهادات صادرة ومعتمدة وموثقة من الإدارة العامة للامتحانات بوزارة التربية والتعليم الاتحادية.

ما هو مصير الجالسين؟ إن الجلوس لامتحان تحت مظلة المليشيا يعني ببساطة حكمًا بالإعدام الأكاديمي على الطالب، وضياعًا حتميًا لسنوات جهده وسهر الليالي في تحصيل العلم، إذ لن تتعدى تلك الشهادة كونها ورقة حبر على ورق لا قيمة قانونية أو علمية لها.

 

الرد القاصم على مناورات المليشيا جاء من الطلاب وأسرهم في دارفور أنفسهم؛ فقد شهدت الأسابيع الماضية تدفقًا لافتًا وهجرة عكسية لآلاف الطلاب من مناطق سيطرة المليشيا بدارفور نحو الولايات الآمنة التي تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية. لقد تحمل هؤلاء الطلاب مشاق السفر الطويل ومخاطره الأمنية من أجل اللحاق بمراكز الامتحانات الرسمية والشرعية التي أقامتها الدولة في مختلف الولايات.

 

هذه الهجرة الأكاديمية تمثل استفتاءً حقيًقيا ووعيًا شعبيًا راسخًا ببطلان شرعية المليشيا، ورفضًا تامًا لمخططات فصل الإقليم تعليميًا أو الزج بأبنائه في أتون التنازع السياسي. لقد إختار طلاب دارفور الشرعية والمستقبل المضمون، ورفضوا أن يكونوا بيادق في رقعة مصالح المليشيا المهزومة.

مهما حاولت المليشيا تجميل وجهها الكالح عبر لافتات “التأسيس المدني” أو تسيير الإمتحانات، فإن الامم المتحدة و المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية يدركون تمامًا أن التعامل مع أي جسم غير شرعي في ملف التعليم يعد انتهاكًا للقوانين الدولية ومساهمة في تدمير مستقبل الطلاب، وهذا ما تجهله المليشيا.

 

العالم لا يعترف إلا بحكومة السودان الشرعية ومؤسساتها الرسمية، وكل ما يصدر عن المليشيا من إجراءات أو وثائق فهو باطل قانونًا، ومرفوض أخلاقيًا، ومصيره مزبلة التاريخ.

إن ما تقوم به مليشيا الدعم السريع في دارفور اليوم هو رقصة الموت الأخيرة؛ فبعد أن عجزت بندقيتها عن فرض أمر واقع، تحاول اليوم استخدام القلم والدفتر لتمرير أجندتها الخبيثة، لكن وعي الشعب السوداني وتماسك مؤسسات الدولة الشرعية كفيلان بإسقاط هذا المخط، ليظل التعليم في السودان واحدًا، موحدًا، وشامخًا بعيدًا عن دنس التمرد.

 

من عجائب الدهر، ومفارقات زمن الحرب الكالح، أن يتحول فجأة من أمضى حياته في تدمير البنى التحتية ونهب مقدرات الشعوب إلى “راعٍ للعملية التعليمية” ومتباكٍ على مستقبل الأجيال. إنها قصة السقوط الأخلاقي والسياسي الذي تجسده قيادة مليشيا الدعم السريع، حين تنصب شخصًا جاهلًا يفتقر لأبسط المؤهلات الأكاديمية والتربوية، ولا يملك حتى “شهادة روضة”، لينصب نفسه رئيسًا وموجهًا لمستقبل طلاب، بل شعب كامل.

وكيف لجاهل تقلد أرفع الرتب العسكرية بقوة السلاح لا بقوة الكفاءة، ولم يذق يومًا طعم الجلوس في قاعات العلم، أو يضرب جرس الطابور أو نهاية الحصة، أن يدرك قيمة “الشهادة السودانية”؟ إن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن كان مؤهله الوحيد هو البندقية، لا يمكن أن يؤتمن على قلم أو كتاب.

إن الإعلان عن عقد امتحانات صورية في مناطق سيطرة الميليشيا بإقليم دارفور لا ينبع من أي حرصٍ أبوي أو وطني، بل هو إمتداد لنهج الإبتزاز الذي تمارسه هذه المجموعة. فكيف يمكن لبيئة مشحونة بالخوف، وتحت تهديد فوهات البنادق، وفي مدارس حُولت إلى ثكنات ومعتقلات، أن تستضيف إستحقاقًا أكاديميًا بحجم الشهادة السودانية؟

 

إنها “مسرحية عبثية” مكتوبة بمداد المتاجرة السياسية، تهدف المليشيا من ورائها إلى إستخدام وعاء التعليم كأداة ضغط على الدولة الشرعية، ومحاولة بائسة لكسب اعتراف دولي زائف عجزت عن تحقيقه عسكريًا وأخلاقيًا.

 

التعليم والجهل خطان متوازيان لا يلتقيان؛ وما بني على باطل فهو باطل. فالإمتحانات الصورية تحت ظلال الفوضى لن تنتج شهادات معترفًا بها، بل هي محرقة لمستقبل الطلاب الذين تحاول المليشيا تحويلهم إلى رهائن سياسيين في معركتها الخاسرة ضد الوطن ومؤسساته الشرعية.

 

وقصة الجاهل (حميدتي) تذكرني بقول الشاعر أبو الطيب المتنبي:

تَبْنِي البُيُوتَ عَنِ الأَثَافِيِّ جَاهِلاً … وَتَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ بَنَيْتَ مَلاَذَا

 

وهنا يخاطب الشاعر في هذا البيت الشخص الجاهل، وكأنه يقصد (حميدتي)، الذي يحاول بناء “بيت” أو “كيان” مستندًا على حجارة الموقد الضعيفة والمتفحمة وتسمى اللداية أو( الأثافي)، ظنًا منه بجهله وقلة معرفته أنه يبني حصنًا منيعًا وملجأً آمنًا.

والحقيقة أن هذا البناء سينهار عند أول اختبار؛ لأن أساسه لم يُقم على قواعد هندسية أو جدران راسخة، بل أُقيم على حجارة مؤقتة ومحترقة. وهكذا الحال في الامتحانات التي عقدتها المليشيا في دارفور.

 

وصيتي لكل الطلاب الذين جلسوا لإمتحان المليشيا أن يستعدوا للجلوس للعام القادم بعد تحرير دارفور، أو الجلوس في الولايات الأخرى، ويعتبرون إمتحان المليشيا تجربة (بروفا) لجلوس امتحان حقيقي ومعتمد من الدولة.

 

تحياتي

ابراهيم جمعه

‫شاهد أيضًا‬

انواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة الخامسة والثلاثون ​عزلة قسرية..!! 

​■ بعد سقوط المدن الكبيرة خيّم على قرى الجزيرة حال من الخوف والوجوم، وتبدل أمان البيوت وطم…