السودان…حين فقدت الصحافة عرشها وغابت عن صناعة الرأي العام
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في مقال الأمس كتبنا عن زمنٍ أصبحت فيه الأصوات الفردية قادرة على صناعة رأي عام يفوق أحيانًا ما تصنعه المؤسسات.
وتحدثنا عن ظاهرة ليست سودانية خالصة، لكنها وجدت في السودان بيئة مثالية للنمو؛ حيث تصعد الأصوات كلما تراجعت المؤسسات، ويتقدم الأفراد كلما تأخر النظام العام في إنتاج المعلومة وتفسيرها.
لكن سؤالًا مهمًا ظل معلقًا في نهاية ذلك النقاش:
● إذا كانت هذه الأصوات قد صعدت إلى قمة المشهد…
فمن الذي غادر المشهد؟
● وإذا كانت المنصات الجديدة قد نجحت في احتلال مساحة التأثير…
فأين كانت الصحافة السودانية بينما كانت هذه المساحة تُعاد هندستها أمام أعين الجميع؟
وهنا تبدأ #أصل_القضية.
> من يصنع الرأي العام؟
لفترة طويلة من التاريخ الحديث كان الجواب واضحًا.
> الصحافة.
فالصحف لم تكن مجرد أوراق تحمل أخبارًا.
بل كانت مؤسسات تصنع المعنى.
وكانت غرف التحرير بمثابة معامل لإنتاج الوعي العام.
وكان الصحفي الجيد لا يكتفي بإخبار الناس بما حدث، بل يساعدهم على فهم ما يعنيه ما حدث.
ولهذا سميت الصحافة “السلطة الرابعة”.
ليس لأنها تمتلك قوة السلاح أو المال أو القرار السياسي…
بل لأنها تمتلك سلطة التأثير في العقول.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
> هل ما زالت الصحافة السودانية تمارس هذه الوظيفة؟
> أم أنها اكتفت بمراقبة التحول بينما كانت موازين التأثير تتغير من حولها؟
حين انتقلت السلطة إلى الخوارزمية
تقول نظرية “وضع الأجندة” إن وسائل الإعلام لا تخبر الناس فقط بما يفكرون فيه، بل تحدد لهم القضايا التي تستحق التفكير.
وكانت الصحافة لعقود طويلة تحتكر هذه الوظيفة.
لكن المشهد تغير.
فاليوم لم تعد الأولوية لما هو الأكثر أهمية.
بل لما هو الأكثر تداولًا.
ولم تعد قيمة الخبر تُقاس بدرجة تحققه فقط.
بل بدرجة انتشاره.
وهكذا انتقلت سلطة ترتيب الأولويات من رئيس التحرير إلى الخوارزمية.
وأصبح “الترند” ينافس الافتتاحية.
وأصبح الهاتف المحمول يملك قدرة على الوصول قد تفوق أحيانًا قدرة مؤسسة إعلامية كاملة.
لكن المشكلة ليست في التكنولوجيا.
فالتكنولوجيا مجرد أداة.
أما أصل الأزمة فيكمن في أن الصحافة السودانية لم تستوعب مبكرًا أن قواعد اللعبة قد تغيرت.
> الصحافة لم تخسر بسبب التكنولوجيا
من السهل أن نقول إن وسائل التواصل الاجتماعي قتلت الصحافة.
لكن هذا تفسير مريح أكثر مما هو تفسير صحيح.
فالصحافة في دول كثيرة واجهت المنصات الرقمية لكنها لم تفقد تأثيرها ، بل أعادت تعريف دورها.
أما في السودان فقد ظل جزء معتبر من الممارسة الصحفية أسيرًا لفكرة قديمة ترى أن وظيفة الصحفي هي نقل الخبر.
بينما كان العالم يتحرك نحو مرحلة جديدة أصبح فيها الخبر متاحًا للجميع.
فالمواطن اليوم قد يعرف الحدث قبل الصحفي.
وقد يشاهد الوقائع مباشرة قبل أن تصل إلى غرفة الأخبار.
لذلك لم يعد السؤال:
من يملك الخبر؟
بل:
من يملك القدرة على تفسير الخبر؟
وهنا تحديدًا بدأت الفجوة.
لقد ظلت الصحافة تنافس المنصات في السرعة.
بينما كان ينبغي أن تنافسها في الفهم.
لماذا صعدت الأصوات؟
في الظروف الطبيعية تصنع المؤسسات الرأي العام.
لكن في الظروف المضطربة تصنعه الأصوات.
وحين تتراجع الثقة في المؤسسات، ويشعر الناس أن الأسئلة الكبرى لا تجد إجابات كافية، يبدأ البحث عن مصادر بديلة للمعنى.
وهنا تظهر الشخصيات المؤثرة.
وتنشأ الظواهر الصوتية.
وتكتسب المنصات الفردية نفوذًا متزايدًا.
ولعل السنوات الأخيرة في السودان قدمت نماذج عديدة لأصوات فردية استطاعت التأثير في اتجاهات النقاش العام أكثر مما استطاعت مؤسسات إعلامية عريقة امتلكت تاريخًا أطول وموارد أكبر.
ولذلك فإن صعود بعض الأصوات في السودان ليس سبب الأزمة.
بل أحد أعراضها.
إنه مؤشر على وجود فراغ.
والفراغ في عالم الرأي العام لا يبقى فارغًا طويلًا.
فإما أن تملأه المؤسسات…
أو تملأه الأصوات.
أزمة الصحافة أم أزمة الثقة؟
ربما يكون السؤال الأدق:
هل تعاني الصحافة السودانية من أزمة مهنية؟
أم من أزمة ثقة؟
الحقيقة أنها تعاني من الأمرين معًا.
فالناس لا يبحثون عن المعلومات فقط.
بل يبحثون عن جهة يثقون بأنها قادرة على تفسير الواقع دون تضليل أو مبالغة أو انحياز مفرط.
وحين تتآكل هذه الثقة، لا يتوقف الجمهور عن البحث.
بل ينتقل ببساطة إلى مصدر آخر.
حتى لو كان ذلك المصدر أقل مهنية.
وهكذا تتحول الثقة من مؤسسة إلى فرد.
ومن غرفة تحرير إلى منصة شخصية.
ومن الصحافة إلى الصوت.
ما الذي خسرته الصحافة السودانية؟
لم تخسر الصحافة السودانية جمهورًا فقط.
بل خسرت شيئًا أخطر.
خسرت موقعها في معركة تفسير الواقع.
فالخبر لم يعد سلعة نادرة.
لكن المعنى لا يزال نادرًا.
والناس لا تحتاج فقط إلى معرفة ما حدث.
بل إلى معرفة لماذا حدث.
وإلى أين يقود.
وما هي تداعياته.
ومن الرابح والخاسر فيه.
وهذه هي الوظيفة التي صنعت مكانة الصحافة عبر التاريخ.
كيف تستعيد الصحافة دورها؟
لن تستعيد الصحافة السودانية مكانتها بمحاربة وسائل التواصل الاجتماعي.
كما أنها لن تستعيدها بالحنين إلى زمن الصحف الورقية.
المستقبل لا يعود إلى الخلف.
لكن يمكن للصحافة أن تستعيد تأثيرها إذا عادت إلى جوهر رسالتها.
فالمنصات تمتلك السرعة.
أما الصحافة فيجب أن تمتلك العمق.
والمنصات تمتلك الانتشار.
أما الصحافة فيجب أن تمتلك المصداقية.
والمنصات تنقل الحدث.
أما الصحافة فعليها أن تفسر الحدث.
فالمعركة الحقيقية لم تعد على الخبر.
بل على المعنى.
#أصل_القضية،،،
لم تفقد الصحافة السودانية تأثيرها بسبب التكنولوجيا وحدها…
بل لأنها تأخرت في إعادة تعريف دورها في عصر جديد لصناعة الرأي العام.
ففي الوقت الذي كانت فيه المنصات تعيد تشكيل المجال العام، كانت الصحافة لا تزال تدافع عن مواقع لم تعد موجودة.
وفي الوقت الذي كانت فيه الأصوات تصنع التأثير، كانت المؤسسات تفقد قدرتها على تفسير الواقع.
ولهذا لم يكن صعود الأصوات هو القصة الحقيقية.
بل كان مجرد عرضٍ ظاهر لقصة أعمق.
قصة انتقال سلطة صناعة الرأي العام من المؤسسات إلى الأفراد.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع اليوم:
إذا كانت الصحافة قد فقدت موقعها في صناعة الرأي العام…
فمن الذي يصنع الرواية السودانية الآن؟
ذلك سؤال آخر…
وربما يكون أخطر أسئلة المرحلة كلها.
المخدرات..التهريب.. التفلتات…الظواهر السالبة….ضرورة الحسم
24 يونيو 2026م لم تكن الحرب المباشرة بين الجيش والتمرد داخل عدد من المدن التي احتلها المرت…





