‫الرئيسية‬ مقالات حكاية نجاح… عاقبته الدولة ! 
مقالات - ‫‫‫‏‫9 دقائق مضت‬

حكاية نجاح… عاقبته الدولة ! 

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

الحروب لا تختبر الجيوش وحدها، وإنما تختبر كذلك كفاءة المؤسسات وقدرتها على الصمود. وعندما اندلعت الحرب في بلادنا في أبريل 2023 انهارت منظومات، وتعطلت خدمات، وتبدلت ولاءات، لكن ما بقي حاضرًا هو الأثر الذي تركته بعض المؤسسات التي استطاعت في وقت ما أن تحول الخطط إلى واقع. عند تلك اللحظة عاد سؤال قديم إلى الذاكرة : لماذا تفشل الدولة السودانية في الحفاظ على مؤسساتها الناجحة؟

 

قد تبدو وحدة تنفيذ السدود في ظاهر الأمر مجرد مؤسسة متخصصة في تنفيذ مشروعات المياه والسدود والبنية التحتية، لكن حكايتها في هذا المقال، تتجاوز حدود هذه التخصصية لترتبط بواحدة من أعقد أزمات الدولة السودانية، أزمة العلاقة بين الكفاءة والنفوذ، وبين الإنجاز والبيروقراطية، وبين ضرورات التنمية وحسابات السلطة والقرار.

 

فعلى امتداد العقود الماضية لم يكن السودان فقيرًا في موارده الطبيعية ولا محدودًا في فرصه التنموية. فالأرض متاحة، والمياه متوفرة، والموقع الجغرافي يمنح البلاد مزايا استثنائية. غير أن المعضلة الحقيقية ظلت كامنة في ضعف المؤسسات القادرة على إدارة هذه الموارد وتحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية. ولهذا السبب ظلت عشرات المشروعات التنموية حبيسة الدراسات والوعود المؤجلة، بينما تراجعت فرص التنمية تحت وطأة الصراعات السياسية والإدارية البائسة.

 

في هذا السياق جاءت تجربة وحدة السدود عام 1999 كإستجابة لمحاولة كسر هذا الحلقة المخزية. فقد أُنشئت في البداية لمعالجة أزمة الكهرباء، لكنها سرعان ما تحولت إلى ذراع تنفيذية للدولة في عدد من الملفات الاستراتيجية. وخلال سنوات قليلة استطاعت إنجاز مشروعات ظلت لعقود طويلة جزءًا من أحلام التنمية في البلاد ، من سد مروي، إلى تعلية الروصيرص ومجمع سدي أعالي عطبرة وستيت، بجانب الطرق والجسور ومشروعات حصاد المياه والبنية التحتية المصاحبة.

 

لكن المفارقة التي كثيرًا ما تتكرر في التجربة السودانية هي أن النجاح لا يقود دائمًا إلى استقرار المؤسسات. فكلما نجحت مؤسسة في بناء قدر من الخبرة والكفاءة، وجدت نفسها في مواجهة المؤامرة “الحفر” ، الذي ينظر إلى التميز بوصفه تهديدًا للنفوذ أكثر من كونه قيمة مضافة للدولة.

 

لم يكن الجدل حول وحدة السدود مرتبطًا بالتبعية الإدارية بقدر ما كان تعبيرًا عن صراع بين نهجين في إدارة الدولة، نهج بيروقراطي تقليدي، وآخر قائم على الكفاءة وسرعة الإنجاز، وهو النهج الذي منح الوحدة تميزها. رغم ذلك لم تكن تعفي من المحاسبة والمراجعة والتقييم .

 

غير أن التنقلات الإدارية وإعادة الهيكلة التي أعقبت العام 2019 أفقدت الوحدة جزءًا مهمًا من كوادرها وخبراتها المتراكمة. فخسارة المؤسسات لا تُقاس بالأصول والمعدات ، وإنما عندما تفقد الذاكرة والخبرة المتراكمة، والعلاقات التي بُنيت عبر سنوات مع الشركاء والممولين وبيوت الخبرة. وهذه الخسائر هي الأكثر كلفة من أي خسائر مالية.

 

والمفارقة الأكبر أن الحرب كشفت القيمة الاستراتيجية لمشروعات وحدة السدود، إذ تحولت سدود مروي والروصيرص وأعالي عطبرة وستيت إلى مصدر رئيسي للكهرباء بعد تعطل التوليد الحراري. وبذلك أصبحت الحرب أكبر اختبار عملي أثبت أن ما كان محل جدل سياسي بالأمس بات اليوم أحد مقومات صمود الدولة واستمرار خدماتها.

 

ولم يقتصر الأثر على السدود، فقد أثبتت الجسور والطرق التي نفذتها الوحدة، في مقدمتها جسر شندي المتمة، والعكد أم الطيور، ومروي كريمة، ودنقلا السليم، إلى جانب مطار مروي ومستشفى الضمان الاجتماعي، أهميتها في حفظ الرابط الداخلي والخارجي واستمرار الإمدادات والخدمات خلال الحرب. كما دعمت المشروعات الزراعية في مناطق إعادة التوطين الإنتاج واستقبال النازحين، لتتحول هذه المشروعات مجتمعة إلى جزء من البنية الاستراتيجية التي أسهمت في استقرار الدولة والمجتمع.

 

وتكتسب التحركات الأخيرة لوحدة السدود أهمية خاصة، فمشروعات حصاد المياه ومياه القضارف وبرامج المنحة السعودية للولايات تؤكد استمرار الحاجة إلى مؤسسة تنفيذية قادرة على تحويل الشراكات والتمويل إلى مشروعات حقيقية . وفي مرحلة ما بعد الحرب، لم تعد هذه المشروعات مجرد برامج تنموية، بل أدوات للاستقرار والنهوض.

 

وإذا كانت الدولة تتحدث اليوم عن الكفاءة والعدالة والإصلاح المؤسسي، فإن هذه المبادئ تبدأ من إنصاف العاملين في المؤسسات التي ظلت تؤدي واجبها رغم الظروف الصعبة. وفي هذا الإطار يعبّر كثير من العاملين بوحدة تنفيذ السدود عن شعورهم بالغبن بعد استثنائهم من تعديلات الأجور والمرتبات التي أُقرت للعاملين بالدولة خلال العام 2026، دون أن تتضح لهم الأسس القانونية أو الإدارية التي استند إليها هذا الاستثناء. فالقضية بالنسبة لهم لا تتعلق بمنحة أو مكافأة، وإنما بحقوق وظيفية يرون أن مبدأ العدالة والمساواة يقتضي شمولهم بها أسوة بغيرهم من العاملين في الدولة.

 

وفي تقديري، بحسب #وجه_الحقيقة فإن مأساة وحدة السدود لم تكن يومًا أنها أخفقت في أداء دورها، بل ربما كانت مشكلتها الأكبر أنها نجحت أكثر مما ينبغي في بيئة اعتادت أن تختلف حول من يدير التنمية أكثر من اهتمامها بالتنمية نفسها. ووحدة السدود، مهما اختلف الناس حول تجربتها الا أنها قدمت نموذجًا يستحق الاحتفاء والتكريم أسوة بتكريم المحاربين.

 

دمتم بخير وعافية.

الخميس 25 يونيو 2026 Shglawi55@gmail.com

 

‫شاهد أيضًا‬

شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة (40)وحل النجاة..!! 

كنت أحفظ “الكنابي” في مخيلتي صورةً نمطيةً مكررة، تماماً كما نراها في مزارع وقر…