‫الرئيسية‬ مقالات الذاكرة الوطنية والأمن القومي 
مقالات - ‫‫‫‏‫10 دقائق مضت‬

الذاكرة الوطنية والأمن القومي 

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

أعلن جهاز المخابرات العامة بولاية نهر النيل الثلاثاء ، إحباط محاولة جديدة لتهريب عدد من القطع الأثرية إلى خارج البلاد. هذا النجاح الأمني يُضاف إلى سجل إنجازات الأجهزة النظامية خلال الحرب، كما يذكرنا أيضاً بأن السودان يخوض معركة أكبر من مجرد استعادة الأرض، إنها معركة الدفاع عن تاريخه وذاكرته الوطنية.

 

فالأمن القومي لا يتوقف عند هزيمة التمرد أو حماية الحدود، بل يمتد إلى صون الذاكرة الوطنية التي تمنح الدولة عمقها التاريخي وحضورها المقيم، وتغرس في المجتمع شعوره بالانتماء. وهي ، خط الدفاع الأول عن الدولة. والسودان الذي تمتد حضاراته لأكثر من سبعة آلاف عام، يدافع عن تجربته التاريخية في مواجهة محاولات الطمس والتشويه.

 

لقد كشفت هذه الحرب عن أحد أخطر أنماط الصراعات في قرننا الحالي، إذ لم تقتصر على تدمير البنية التحتية وإضعاف الاقتصاد، بل امتدت إلى استهداف مؤسسات الثقافة والمعرفة، وفي مقدمتها المتحف القومي السوداني، ودار الوثائق القومية، والمتحف الإثنوغرافي، ومتحف بيت الخليفة، إضافة إلى المكتبات والمسارح والجامعات والمواقع الأثرية.

 

ولم يكن ما تعرضت له هذه المؤسسات مجرد نهب بدافع الأطماع، بل استهداف مباشر للمعرفة والتاريخ والوجود ، لأن التحكم في التاريخ يعني القدرة على تشكيل الوعي وإعادة صياغة المستقبل.

 

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن تدمير المتاحف والمكتبات ودور الوثائق لا يحدث مصادفة، وإنما يمثل سياسة تستهدف قطع الصلة بين المجتمع وماضيه، حتى يصبح أكثر قابلية لإعادة تشكيل هويته وفق روايات جديدة. نعلم أن الأوطان لا تُهزم فقط عندما تسقط مدنها، بل عندما تُمحى ذاكرتها.

 

ورغم استرداد “570” قطعة أثرية خلال الأشهر الماضية، وإحباط جهاز المخابرات محاولة تهريب جديدة، فإن ذلك لا يقلل من حجم الكارثة. فما فُقد من المتحف القومي وحده، إلى جانب مقتنيات متاحف أخرى، يقدر بآلاف القطع، في واحدة من أكبر عمليات استهداف التراث السوداني.

 

وقد كشفت المشاهد التي بثتها بالأمس” قناة النيل الأزرق “من داخل المتحف القومي بالخرطوم حجم الفاجعة، فلم يكن ما ظهر مجرد تخريب، بل ذاكرة وطنية تعرضت لاعتداء منظم، بما يجعل أهمية وجود رؤية حقيقية تتجاوز عدد المنهوبات، إلى طبيعة السودان الذي نريد أن نعيد بناءه بعد الحرب، وأي ذاكرة سنورثها للأجيال القادمة.

 

وليس السودان غريباً عن هذا الوعي. فعند تنفيذ مشروع سد مروي، لم يقتصر التخطيط على الجوانب الهندسية، بل شُكلت لجنة علمية برئاسة البروفيسور يوسف فضل حسن ضمت نخبة من العلماء والمؤرخين لتوثيق المجتمعات المحلية وإنقاذ الآثار المهددة. كما سبق للسودان أن قاد، بالتعاون مع اليونسكو، واحدة من أهم الحملات الدولية لإنقاذ آثار الحضارة النوبية عند قيام السد العالي، وهو ما عكس اهتماماً، بأن التاريخ ليس هامشاً للتنمية، بل أحد ركائزها، وأحد أعمدة وحدة الهوية الوطنية.

 

واليوم وبعد ما أصاب المتحف القومي، تبدو الحاجة ماسة لاستعادة ذلك التفكير المنتبه، بروح جديدة وأدوات فاعلة . فإعادة إعمار السودان لا ينبغي أن تقتصر على تشييد الطرق والجسور ومحطات الكهرباء، وإنما يجب أن تشمل إعادة بناء مؤسسات الذاكرة الوطنية، لأن إعادة إعمار الحجر دون إعادة إعمار الوعي تظل عملية ناقصة.

 

في سياق إعادة إعمار وسط الخرطوم وشارع النيل، كما أعلنت من قبل لجنة الفريق إبراهيم جابر، يجب أن يكون المتحف القومي نقطة أساسية في تصور العاصمة المستقبلي. ولا ينبغي الاكتفاء بإعادته إلى وضعه السابق، بل إعادة إدماجه ضمن فضاء أوسع يمتد غرباً ليشمل موقع المكتبة الوطنية، وجوارها وهو فضاء يعاني من الإهمال وتحول في بعض مساحاته إلى فراغ تحيطه الفوضى، بات أقرب إلى مكب نفايات.

 

وفي هذا الإطار ، تقدم التجربة المصرية درساً جديراً بالتأمل. فالمتحف المصري الجديد لم يكن مجرد مشروع إنشائي ضخم، بل مشروع دولة بكل معنى الكلمة. فقد تحول إلى رؤية وطنية شاركت في صياغتها مؤسسات الدولة، وأُنشئت له هيئة مستقلة، ومجلس أمناء، وأكبر مركز لترميم الآثار في المنطقة، ليصبح منصة للبحث العلمي، والدبلوماسية الثقافية، والسياحة، والاقتصاد الإبداعي، وليس مجرد مكان لعرض المقتنيات. لقد أدركت مصر أن الحضارة إرثًا ثقافيًا، و مورداً للمستقبل.

 

ولا يقل السودان استحقاقًا لمشروع مماثل، بل إن مرحلة ما بعد الحرب تستدعي متحفًا وطنيًا جديدًا يليق بحضارات كرمة ونبتة ومروي، وتراث السلطنة الزرقاء، ودارفور ويواكب أحدث تقنيات العرض، ليغدو مركزًا للبحث والتعليم والدبلوماسية الثقافية ومحركًا للسياحة والاقتصاد الإبداعي، بحيث يصبح التراث استثمارًا في المستقبل لا مجرد إرثٍ من الماضي.

 

كما يمكن تطوير محيط المتحف إلى مجمع ثقافي يضم المكتبات والحدائق و يستلهم علاقة السودانيين بالنيل، فيغدو فضاءً حيًا للذائقة الجمالية، يروي الهوية الوطنية، لا مجرد مبنى لحفظ المقتنيات. فحماية الذاكرة مسؤولية مشتركة تتقاسمها الدولة والجامعات والباحثون والإعلام والمجتمع.

 

بحسب #وجه_الحقيقة، تمثل اللحظة الراهنة فرصة لإطلاق مسابقة معمارية دولية برعاية اليونسكو والاتحاد الدولي للمعماريين لتصميم المتحف الوطني السوداني الجديد، في إطار رؤية وطنية منتبهة . فالمشروع ليس مشروع الوزارة بل مشروع الدولة يعيد وصل الراهن بجذوره الحضارية الممتدة آلاف السنين، ويؤسس لصورة السودان الجديد.

 

دمتم بخير وعافية.

 

السبت 27 يونيو 2026م Shglawi55@gmail.com

 

‫شاهد أيضًا‬

وزير الموارد البشرية يؤكد دعم جنوب كردفان وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية

التقى وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، بوفد الاتحاد العام للنوبة…