حين يسبق الشك الرصاص كيف أصبحت الثقة جبهة القتال الأكثر هشاشة في السودان؟
د.عبد الناصر سلم

في الحروب، لا يكون أول ما ينهار هو خط الدفاع، بل الثقة. وعندما تبدأ الثقة في التآكل، يصبح كل خبر قابلًا للتصديق، وكل حركة ميدانية قابلة لتأويلات لا تنتهي، وكل صمت يُفسَّر على أنه يخفي شيئًا. عندها، لا تعود المشكلة فيما يحدث على الأرض، بل فيما يعتقد الناس أنه يحدث.
هذا ما يواجهه السودان اليوم. فالحرب لم تُنتج جبهات قتال جديدة فحسب، بل أفرزت بيئة يختلط فيها المؤكد بالمحتمل، وتتقدم فيها الرواية على الحقيقة. وما إن تنتشر معلومة غير موثقة عن خلاف بين حلفاء، أو اشتباك محدود، أو تغيير في مواقع القوات، حتى تبدأ سلسلة طويلة من التحليلات والاستنتاجات، قبل أن تتوفر أي معلومات يمكن التحقق منها.
وليس من الضروري أن تكون تلك الرواية صحيحة حتى تُحدث أثرها. ففي أجواء الحرب، يكفي أن تبدو معقولة حتى يبدأ البعض في إعادة تفسير ما يراه على ضوئها. وهكذا يتحول خبر غير مؤكد إلى عامل يؤثر في المزاج العام، وربما في طريقة قراءة التطورات الميدانية نفسها.
لكن تحميل الشائعات وحدها مسؤولية هذا الواقع سيكون تبسيطًا لا يساعد على فهم المشكلة. فالروايات المضللة لا تنجح لأنها محكمة الصنع فقط، بل لأنها تجد بيئة تسمح لها بالانتشار. وهذه البيئة لا تُصنع في الفضاء الرقمي وحده، بل تتشكل أيضًا على الأرض.
فالتحالفات التي فرضتها ظروف الحرب في السودان لم تنشأ نتيجة اتفاق سياسي شامل، وإنما جاءت استجابة لضرورات المواجهة. وهذا لا ينتقص من أهميتها، لكنه يعني أنها تحتاج إلى إدارة مستمرة، لأن أي تحالف يضم قوى متعددة يحمل بطبيعته تباينات في الرؤية والأولويات وآليات العمل.
وجود هذه التباينات ليس مؤشرًا على الفشل، بل هو أمر طبيعي في أي عمل عسكري أو سياسي مشترك. غير أن المشكلة تبدأ عندما يغيب التنسيق الكافي، أو تتأخر معالجة الاحتكاكات، أو يُترك المجال مفتوحًا أمام الشائعات لتقدم تفسيرها الخاص لكل حادثة.
ومن هنا، يصبح من الضروري التمييز بين الخلاف الطبيعي والفتنة المصنوعة. فالخلاف يمكن احتواؤه بالحوار والتنسيق، أما الفتنة فتقوم على تضخيم الوقائع، وربطها باستنتاجات لا تستند إلى أدلة، حتى يبدو الاستثناء وكأنه القاعدة، والحادث الفردي وكأنه تعبير عن أزمة شاملة.
وقد شهدت الأشهر الماضية تداولًا متكررًا لمقاطع مصورة قديمة، أو تسجيلات مجهولة المصدر، أو روايات عن توترات داخلية لم يثبت كثير منها. ولم يكن تأثير هذه المواد نابعًا من دقتها، بل من قدرتها على استثمار حالة القلق السائدة، وتحويلها إلى حالة من الشك المتبادل.
غير أن ذلك لا يعني إنكار وجود إشكالات حقيقية على الأرض. فمن الطبيعي في حرب بهذا الحجم أن تقع تجاوزات ميدانية، أو احتكاكات محدودة، أو سوء فهم بين تشكيلات تعمل في مسارح عمليات متقاربة. تجاهل هذه الوقائع أو التقليل من شأنها لا يخدم الاستقرار، بل يمنح الروايات المضللة مساحة أوسع، لأن الفراغ المعلوماتي نادرًا ما يبقى فارغًا.
ولهذا، فإن حماية التحالفات تبدأ بالاعتراف بأن الانضباط الميداني ليس قضية عسكرية فقط، بل هو أيضًا قضية سياسية وإعلامية. فكل حادثة لا تُعالج بسرعة وشفافية قد تتحول إلى مادة للتأويل، ثم إلى رواية، ثم إلى أزمة يصعب احتواؤها.
ومن هنا تبرز أهمية بناء آليات دائمة للتنسيق بين القوى المتحالفة، تتجاوز الاتصالات الظرفية إلى مؤسسات مشتركة قادرة على معالجة الخلافات قبل أن تتفاقم. فوجود لجان ميدانية مشتركة، وغرف اتصال مباشرة، وآليات واضحة للتحقق من المعلومات، لا يختصر زمن الاستجابة فحسب، بل يحرم الشائعات من أهم أسباب انتشارها.
كما أن تنظيم تحركات التشكيلات العسكرية داخل المدن أصبح ضرورة لا تقل أهمية عن أي إجراء ميداني آخر. فالمدن ليست فقط مراكز سكانية، بل فضاءات حساسة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع حياة المدنيين. وكلما تعددت التشكيلات المسلحة داخلها، ازدادت احتمالات الاحتكاك وسوء التقدير، ووجدت حملات التضليل فرصًا أكبر لتحويل أي حادث محدود إلى أزمة واسعة.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى إخلاء المدن من القوات بصورة مطلقة، وإنما إعادة تنظيم وجودها بما يحقق وضوح المسؤوليات، ويمنع التداخل غير الضروري، ويضمن أن تتم التحركات وفق آليات تنسيق معروفة بين جميع الأطراف. فكلما كان الواقع أكثر انضباطًا، أصبحت الروايات المضللة أقل قدرة على التأثير.
وهذا يقود إلى سؤال لا يقل أهمية عن مجريات القتال نفسها: إذا كانت القوة العسكرية تحمي المواقع، فمن يحمي الثقة التي يقوم عليها التحالف؟ فالتاريخ يعلمنا أن كثيرًا من التحالفات لم تنهزم لأنها فقدت قدرتها على القتال، بل لأنها فقدت قدرتها على الثقة، وعندها أصبح كل خلاف صغير بدايةً لأزمة أكبر
وفي نهاية المطاف، لا تستهدف حرب المعلومات تغيير الوقائع بقدر ما تستهدف تغيير العلاقات التي تقوم عليها. فهي لا تسعى إلى هزيمة التحالفات في الميدان، بل إلى إضعاف الثقة بين مكوناتها، لأن التحالف الذي يبدأ أفراده في الشك ببعضهم بعضًا يصبح أكثر عرضة للتآكل من الداخل، حتى وإن ظل متماسكًا على خطوط القتال.
ولهذا، فإن حماية الجبهة الداخلية تبدأ بمعالجة أسباب الشك قبل مواجهة نتائجه؛ عبر الانضباط الميداني، وسرعة احتواء التجاوزات، ووضوح القيادة، وفاعلية التنسيق بين جميع القوى المشاركة في حماية الدولة. فهذه ليست إجراءات تنظيمية فحسب، بل خطوط الدفاع الأولى في مواجهة حرب تستهدف الإدراك قبل أن تستهدف الأرض.
[٢٨/٦، ٠٠:٠١] محمد محمد عثمان: وفي هذه المرحلة الدقيقة، تكتسب وحدة الجبهة التي تقودها القوات المسلحة أهمية تتجاوز بعدها العسكري، لأنها تمثل أحد أهم عوامل الحفاظ على استقرار الدولة ومنع انزلاقها إلى صراعات جديدة. فكلما تعززت الثقة بين مكونات هذه الجبهة، تراجعت قدرة الشائعات والروايات المضللة على اختراقها أو التأثير في قراراتها.
لقد أثبتت تجارب الحروب أن الدول لا تنهزم دائمًا عندما تخسر معركة، وإنما قد تضعف عندما تتآكل الثقة بين القوى التي تدافع عنها. ومن هنا، فإن الحفاظ على وحدة الصف، وإدارة الاختلاف داخل الأطر المؤسسية، وتعزيز التنسيق والانضباط، ليست مجرد خيارات سياسية أو عسكرية، بل ضرورة استراتيجية لحماية السودان، وصمام أمان لعبوره هذه المرحلة بأقل قدر ممكن من المخاطر
مستشار الميرغني : يكتب : العشم لمن يستحقونه
ما كان الشعب السوداني يوما يذل او يهان او يبخس قدره وبرغم هذه الحرب اللعينة التي اكتوى بمآ…





