‫الرئيسية‬ مقالات حاصروا طاعون المخدرات
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

حاصروا طاعون المخدرات

إتجاه البوصلة   الجزولي هاشم

“اجعلوا تاجر المخدرات ومروجها ومن أدمنها منبوذين… ليخجل الشر من نفسه”.

ليست كل الحروب تُخاض بالبنادق، فهناك حروب أكثر فتكاً لأنها تستهدف الإنسان قبل الأرض، والعقل قبل الحدود، والمستقبل قبل الحاضر. والمخدرات ليست مجرد جريمة جنائية، وإنما مشروع هدمٍ منظم يسعى إلى تفكيك الأسرة، وإفراغ المجتمع من طاقاته، وسرقة أعمار الشباب، وضرب مقومات الدولة من الداخل.

إن أخطر ما يفعله تجار المخدرات أنهم لا يبيعون حبوباً أو مساحيق سامة، وإنما يبيعون وهماً قاتلاً، ويشترون أعمار الشباب بأموالٍ ملطخة بدموع الأمهات، ويقايضون مستقبل الوطن بأرباح لا تعرف ضميراً ولا أخلاقاً. ولهذا فإن المجتمع الذي يصمت على انتشار المخدرات، أو يتسامح مع مروجيها، يشارك – من حيث لا يدري – في صناعة الكارثة.

لقد آن الأوان لأن تتحول المخدرات إلى وصمة عار اجتماعية قبل أن تكون جريمة قانونية. فالقانون يعاقب، لكن المجتمع يردع، والردع الحقيقي يبدأ حين يشعر كل من يتعاطى أو يروج أو يتاجر بالمخدرات أنه فقد احترام الناس قبل أن يفقد حريته، وأنه أصبح مرفوضاً في بيئته، ومنبوذاً بين جيرانه، بعد أن اختار أن يكون معول هدمٍ لمجتمعه.

إن من يروج للمخدرات لا يستحق أن يكون قدوة، ولا أن يجد قبولاً بين الناس، لأن من يبيع السموم إنما يبيع الموت المؤجل لأبناء وطنه. ولذلك يجب أن يتحول التعامل مع المخدرات بكل صورها – تعاطياً أو ترويجاً أو اتجاراً – إلى عنوانٍ للخزي الاجتماعي، حتى يدرك الجميع أن المجتمع نفسه أصبح خط الدفاع الأول.

ومع ذلك، فإن المعركة لن تُحسم بالأجهزة النظامية وحدها، ولا بالقضاء وحده، ولا بالحكومة وحدها. إنها معركة وطنية تكاملية تبدأ من الأسرة التي تغرس القيم، ومن المدرسة التي تبني الوعي، ومن المسجد الذي يهذب الضمير، ومن الإعلام الذي يصنع الرأي العام، ومن الجامعة والنادي وساحات العمل، وتنتهي عند كل بيت وكل شارع وكل حي.

فالأسرة التي تتابع أبناءها، والمعلم الذي يصنع الوعي، والإمام الذي يحصن العقول، والإعلامي الذي يفضح شبكات السموم، والجار الذي لا يصمت على الانحراف، جميعهم يقفون في خندقٍ واحد دفاعاً عن الوطن.

ومن هنا يبرز الدور المفصلي للشرطة المجتمعية ولجان الأحياء، فهذه ليست مجرد هياكل تنظيمية، بل هي شبكات أمان اجتماعي، وحاضنات للوعي، وخط الدفاع الشعبي الأول. مهمتها أن تعيد صياغة الوجدان السليم، وتحصن الأحياء والقرى والمدن، وتحتضن الشباب بالأنشطة والقدوة والتربية الرشيدة، حتى لا يجد تجار السموم ثغرة ينفذون منها إلى عقول أبنائنا.

فلنكن جميعاً شرطةً مجتمعية. ليكن كل منزل مدرسةً للقيم، وكل حي قلعةً للحماية، وكل مدرسة منارةً للوعي، وكل مواطن عيناً ساهرة على أمن المجتمع. فالأوطان لا يحرسها رجال الأمن وحدهم، وإنما يحرسها أيضاً المواطن الواعي الذي يعتبر حماية مجتمعه واجباً وطنياً وأخلاقياً.

اتجاه البوصلة اليوم واضح لا يحتمل التأويل: إذا أردنا سوداناً آمناً وقوياً، فعلينا أن نحاصر المخدرات، وأن نجفف منابعها، وأن نغلق أبواب الترويج، وأن نعزل المتاجرين بها اجتماعياً، وأن نعيد بناء وجدان أجيالنا على قيم الدين، والعلم، والعمل، والانتماء.

فالمعركة ليست ضد مادة مخدرة فحسب، بل ضد مشروع يستهدف العقل السوداني، وإذا سقط العقل سقط الإنسان، وإذا سقط الإنسان سقط المجتمع، وإذا سقط المجتمع أصبح الوطن كله مهدداً.

وحين يلفظ المجتمع تاجر المخدرات كما يلفظ الخيانة، ويعتبر المتاجرة بالعقول عاراً لا يُغسل، سيدرك تجار السموم أن السودان قد أغلق أبوابه في وجوههم، وأن إرادة شعبه أقوى من كل تجارة الموت، وأن حماية الإنسان ستظل أول الطريق إلى حماية الوطن.

‫شاهد أيضًا‬

في طريقه إلى الخرطوم.. كامل إدريس يتفقد مطار بورتسودان ويوجه باستكمال التطوير

تفقد رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس، اليوم، مطار بورتسودان الدولي خلال عودته إلى الخرط…