‫الرئيسية‬ مقالات السودان… كيف ينتصر الخبر التافه على القضية المصيرية؟
مقالات - ‫‫‫‏‫16 دقيقة مضت‬

السودان… كيف ينتصر الخبر التافه على القضية المصيرية؟

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد  د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في المقال الاسبق انتهينا إلى أن أخطر أشكال السلطة في عصرنا ليست دائمًا سلطة القرار…

ولا سلطة المال…

ولا حتى سلطة السلاح…

بل سلطة تحديد ما يستحق أن يكون حديث الناس.

لكن سؤالًا ظل ينتظرنا عند نهاية ذلك المقال…

إذا كان هناك من يستطيع أن يحدد أجندة النقاش…

فلماذا كثيرًا ما تنتصر القضايا الصغيرة…

على القضايا الكبيرة؟

ولماذا يستطيع خبرٌ عابر أن يشغل ملايين الناس…

بينما تمر قضية قد تحدد مستقبل وطن كامل مرورًا باهتًا؟

ولماذا تستحوذ قصة شخصية على اهتمام المجتمع…

في الوقت الذي تتراجع فيه ملفات الاقتصاد، والتعليم، وإعادة بناء الدولة، والعدالة، والسلام؟

هل لأن الناس لا يهتمون بالقضايا الكبرى؟

أم لأن هناك شيئًا آخر يحدث قبل أن يبدأ اهتمامهم؟

وهنا تبدأ #أصل_القضية.

أولًا… ليست المشكلة في الناس

من السهل أن نتهم الناس بالسطحية.

ومن السهل أن نقول إن الجمهور أصبح يبحث عن التسلية أكثر من المعرفة.

لكن هذا تفسيرٌ كسول.

فالإنسان بطبيعته محدود الانتباه.

ولا يستطيع أن يمنح الاهتمام لكل ما يحدث حوله.

ولهذا تنشأ منافسة دائمة على مورد نادر…

ليس المال…

ولا الوقت…

بل الانتباه.

وفي العصر الرقمي أصبحت القيمة الحقيقية لأي رسالة لا تُقاس فقط بصحتها… بل بقدرتها على خطف انتباه الناس قبل غيرها.

ثانيًا… الاقتصاد الجديد للانتباه

في الماضي كانت وسائل الإعلام تتنافس على نشر الخبر.

أما اليوم فإن معظم المنصات تتنافس على إبقاء المستخدم داخل الشاشة لأطول وقت ممكن.

ولهذا لا تكافئ الخوارزميات دائمًا المحتوى الأكثر أهمية…

بل المحتوى الأكثر إثارة.

ولا تنتصر الرسالة الأكثر عمقًا…

بل الرسالة الأكثر قابلية للمشاركة.

وهكذا يدخل الخبر الجاد والخبر التافه المنافسة نفسها…

لكن وفق قواعد لا يضعها العقل…

بل يضعها التفاعل.

وليس المقصود بالخبر التافه أنه خبر كاذب أو عديم القيمة بالضرورة، بل هو كل خبر يستحوذ على مساحة من الاهتمام العام تفوق بكثير أثره الحقيقي في حياة المجتمع، فيزاحم بذلك قضايا أكثر عمقًا وتأثيرًا. فالتفاهة هنا ليست صفة للخبر وحده، بل قد تكون وصفًا لاختلال ترتيب الأولويات

ثالثًا… السودان… حين أصبحت القضايا تتزاحم

منذ عام ٢٠١٨م دخل السودان مرحلة تتسارع فيها الأحداث بصورة غير مسبوقة.

ثم جاءت الحرب لتضاعف هذا التسارع.

وأصبح المجال العام يعيش في حالة تدفق دائم للمعلومات.

كل ساعة تحمل خبرًا جديدًا.

وكل يوم يولد جدلًا جديدًا.

وفي هذا الزحام لم تعد المشكلة نقص المعلومات… بل فائضها.

ولعل كثيرين لاحظوا كيف كانت سجالات يومية، أو مقاطع قصيرة، أو تصريحات عابرة، تستحوذ على ساعات طويلة من النقاش، بينما كانت قضايا مثل مستقبل الدولة، وإعادة الإعمار، والإصلاح المؤسسي، والتعليم، والاقتصاد، تمر في الهامش رغم أثرها البعيد على حياة السودانيين.

ولم يكن ذلك لأن هذه القضايا أقل أهمية…

بل لأنها دخلت معركة لا تكافئ الأهمية… بل تكافئ القدرة على جذب الانتباه.

رابعًا… لماذا ينتصر الخبر التافه؟

لأن الخبر التافه غالبًا ما يكون أسهل.

أسهل في الفهم.

وأسرع في التداول.

وأكثر إثارة للمشاعر.

أما القضية المصيرية فتحتاج إلى وقت.

وإلى معرفة.

وإلى صبر.

وإلى قدرة على الربط بين الأسباب والنتائج.

ولهذا فإنها تخسر غالبًا في السباق الأول…

حتى لو كانت هي التي ستحدد مستقبل المجتمع.

إنها مفارقة العصر الرقمي.

فكلما ازدادت أهمية القضية…

ازدادت حاجتها إلى الانتباه.

لكن كلما ازدادت حاجتها إلى الانتباه…

ازدادت صعوبة منافستها للمحتوى السريع.

إن الخبر التافه لا ينتصر لأنه أقوى من القضية المصيرية، بل لأنه يدخل المعركة بشروط مختلفة. فهو يخاطب الفضول قبل التفكير، والانفعال قبل التحليل، واللحظة قبل المستقبل. أما القضية الكبرى فتحتاج إلى وقت وتأمل وسياق. ولهذا تبدو المنافسة بينهما غير متكافئة منذ البداية؛ فإحداهما تتغذى على سرعة التفاعل، بينما تتغذى الأخرى على عمق الفهم.

وقد يحدث هذا الانتصار بصورة عفوية نتيجة طبيعة المنصات الرقمية، وقد يحدث أحيانًا لأن بعض الفاعلين يدركون أن إشغال المجتمع بقضايا جانبية يخفف الضغط عن القضايا الكبرى. فليس كل انتصار للخبر التافه مؤامرة، لكنه قد يصبح أداة فعالة في يد من يجيد إدارة الانتباه.

خامسًا… حين تصبح الأولويات مقلوبة

الخطر الحقيقي ليس أن ينتشر خبر تافه.

فالخبر التافه موجود في كل زمان.

لكن الخطر يبدأ حين ينجح في إزاحة القضية المهمة من دائرة الاهتمام.

وحين يصبح الاستثناء عادة.

وتصبح الضوضاء معيارًا للأهمية.

ويصبح الأكثر تداولًا هو الأكثر حضورًا في الوعي الجمعي.

عندها لا يخسر المجتمع قضية واحدة…

بل يخسر بوصلته.

#أصل_القضية،،،

ليست المشكلة أن الأخبار الصغيرة تنتشر…

بل أن القضايا الكبيرة تختفي.

وليست الأزمة أن الناس يتحدثون عن كل شيء…

بل أن بعض القضايا لا تجد المساحة التي تستحقها في حديثهم.

فالأمم لا تنهار لأنها لا تعرف أخبارها…

بل لأنها تنشغل أحيانًا بأخبارها الصغيرة أكثر من أسئلتها الكبرى.

وربما لهذا السبب…

لم تكن معركة السودان، خلال السنوات الأخيرة، معركة وقائع فقط…

بل كانت أيضًا معركة على المعنى.

فحين ينتصر الخبر التافه على القضية المصيرية…

لا يكون قد ربح مجرد جولة في النقاش…

بل يكون قد فتح الطريق لشيء أخطر.

لأن المجتمع الذي يفقد أولوياته…

يصبح أكثر استعدادًا لأن يفقد روايته.

ولهذا فإن السؤال الذي ينتظرنا …

لماذا نصمت حين يجب أن نتكلم؟

   (دوامة الصمت والخوف الاجتماعي)

‫شاهد أيضًا‬

داعمون للخط الوطني ولامكان للانفصاليين بيننا

القوات المسلحة السودانية ماضية بعزيمة لا تلين لتحرير كردفان ودارفور. ستعود كل الفرق العسكر…