‫الرئيسية‬ مقالات أين ذهب هؤلاء؟
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

أين ذهب هؤلاء؟

رمضان محجوب

​▪ استلف خصوم “الإنقاذ” قديماً عبارة الطيب صالح “من أين أتى هؤلاء؟”، لتغدو شعاراً يتردد في محافلهم، واصماً القادمين الجدد بالغرابة. دارت الأيام، وبعد سبع سنوات من رحيلهم عن سدة الحكم، انقلبت المعادلة؛ صار الشارع السوداني، وهو يفتقد الحد الأدنى من هيبة الدولة، يرفع ذات العبارة بمرارة وحسرة متسائلاً: “أين ذهب هؤلاء؟” بحثاً عن رجالٍ كانوا يملأون فراغ الدولة.

​▪ قبل 1989، كان السودان يغرق في أوحال الترهل الإداري، حيث توقفت عجلة التنمية وحُبست الخدمات في أروقة المركز. غابت الرؤية التخطيطية، مما جعل البلاد بلا هيكل تنموي، وعانى المواطن من رحلات البحث المضنية عن ضروريات معاشه، في وقتٍ خلت فيه الدولة من أي أدواتٍ إدارية قادرة على حماية البلاد من التدهور المزمن أو حفظ كرامة الإنسان في أطراف الوطن.

​▪ مع بزوغ عهد الإنقاذ، تحولت الدولة لساحة فعل استراتيجي، فبدأت بكسر العزلة عن الولايات بشبكات طرق وجسور ربطت جسد البلاد المنهك. فلم يكن ذاك مجرد تبديل في الوجوه، بل بناء لهيكل دولة يُعتمد عليه؛ إذ تحركت مشاريع قومية غيرت معالم الجغرافيا، ويسرت حركة السلع والناس، ليتجاوز المواطن أفق مدينته المحدود نحو رحاب الوطن الأوسع لأول مرة في تاريخه.

​▪ اقتصادياً، كان استخراج النفط محطة فاصلة وضعت السودان في قائمة الدول المنتجة، وهو قرار سيادي عزز من استقلالية القرار الوطني. وتوالت بعدها طفرة الطاقة بتشييد سد مروي وسدي عطبرة وستيت، وتعلية خزان الروصيرص؛ صروح لم تكن مجرد أرقام في دفاتر، بل كهرباء أضاءت البيوت والمصانع، وإنجاز ظل شاخصاً كعلامة فارقة في تاريخ التنمية السودانية الحديث.

​▪ التعليم لم يبتعد عن هذا النهج، فجاءت “ثورة التعليم العالي” لتؤسس جامعات في كل ولاية، منهيةً احتكار المعرفة لنخبة المركز. فكانت تلك الخطوة طوق نجاة لآلاف الشباب الذين وجدوا صروح العلم في ديارهم، مما خلق حراكاً ذهنياً ومجتمعياً فريداً، وأفرز أجيالاً وكوادر لا تزال بصماتها واضحة في واقعنا اليوم، مهما حاول البعض طمس تلك الحقائق.

​▪يجب على كل قاريء لتلك الحقبة، الإنصاف في ذكر التحديات؛ فقد ألقى التوسع السريع بضغوطه على كاهل المواطن، كما خلقت التقاطعات الدولية تعقيدات سياسية تركت ندوباً في الجسد الوطني. فهذه الوقائع تُقرأ بصدق بعيداً عن عواطف المدح أو غلو الذم، ليكون التقييم مهنياً وقادراً على استخلاص العبر من تجربة حكم استمرت لثلاثة عقود من الزمان.

​▪ سعى المشروع “الحضاري ” حينها إلى تعزيز الهوية والاهتمام بمؤسسات التعليم القرآني والعمل الطوعي. ورغم جدلية هذا المسار، إلا أنه قدم نموذجاً في استنهاض الهمم المجتمعية وإعلاء القيم في إدارة الشأن العام، مما منح الدولة هيبة وحضوراً فاعلاً في توجيه دفة القيم بجانب المهام التنفيذية، وهو جوهر الممارسة الإدارية التي تفتقدها المؤسسات اليوم في غياب الرؤية الموحدة.

​▪ الانشغال بالمشاريع العملاقة ترك ظلالاً ثقيلة على معاش الناس اليومي في مراحلها الأخيرة، وهو درس بليغ في وجوب الموازنة بين الخطط الاستراتيجية الضخمة واستقرار معيشة المواطن العاجل. وستظل هذه الفجوة درساً مهماً يذكرنا بأن استدامة التنمية تتطلب إدارة اقتصادية مرنة تحمي الناس من تقلبات الأزمات الخانقة، لضمان ألا تذهب جهود النهضة أدراج الرياح عند أول منعطف اقتصادي.

​▪ اليوم، ومع اتساع رقعة الحرب والاضطراب السياسي والسيولة الامنية، يبرز الحنين لمؤسسية الدولة التي كانت قائمة. فقد بات الشارع السوداني، في صمته ووجعه، يستحضر صورة “رجل الدولة” بخصاله الصلبة وحزمه الإداري، مفتقداً قيادات كانت، رغم أخطائها، تملك زمام الأمر وتفرض هيبة الدولة في أصعب الظروف التي عصفت بالبلاد

‫شاهد أيضًا‬

عبدالفتاح البرهان : فروض الوقت وواجبات الساعة 

إنفتحت الأوضاع العامة في السودان بعد الثورة علي واقع مجهول عقب إنجاز هدف الثورة العدمي الذ…