‫الرئيسية‬ مقالات السودان… لماذا نصمت حين يجب أن نتكلم؟
مقالات - ‫‫‫‏‫34 دقيقة مضت‬

السودان… لماذا نصمت حين يجب أن نتكلم؟

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد  د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

كم مرة صمتنا… لا لأننا لم نملك رأيًا، بل لأننا ظننا أننا وحدنا؟

 

وكم مرة بقي سؤال كبير حبيس الصدور… لأن أحدًا لم يكن يريد أن يكون أول من يطرحه؟

 

في السودان، لم يكن الصمت دائمًا غيابًا للكلام…

 

بل كان، في أحيان كثيرة، حضورًا للخوف.

وليس الخوف من السلطة وحدها…

بل من التصنيف.

ومن الاتهام.

ومن إساءة الفهم.

ومن أن يجد الإنسان نفسه فجأة خارج الجماعة التي ينتمي إليها.

 

ولهذا، فإن أخطر ما يصيب المجال العام ليس أن ترتفع بعض الأصوات…

بل أن تتناقص الأصوات التي كان يمكن أن تقول شيئًا مختلفًا.

 

فحين يخاف الناس من الكلام…

لا يصبح المجتمع أكثر اتفاقًا…

بل يصبح أكثر صمتًا.

 

وهنا تبدأ #أصل_القضية.

 

أولًا… الصمت ليس دائمًا موافقة

من أكثر الأخطاء شيوعًا أن نفسر الصمت على أنه قبول.

فنحن كثيرًا ما ننظر إلى هدوء المجال العام، فنظنه دليلًا على الإجماع.

بينما قد يكون، في الحقيقة، دليلًا على الخوف.

فالمجتمعات لا تصمت دائمًا لأنها لا تختلف…

بل قد تصمت لأنها لا تشعر أن الاختلاف آمن.

ولهذا فإن غياب الاعتراض لا يعني بالضرورة غياب المعترضين.

فقد يكون الاعتراض حاضرًا في العقول…

وغائبًا عن الألسنة.

 

وهنا تبدأ واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية تعقيدًا؛ حين يصبح الصمت لغةً جماعية، رغم أن كل فرد يعتقد في داخله أنه يتحدث مع نفسه فقط.

 

ثانيًا… كيف يولد الخوف الاجتماعي؟

الخوف الاجتماعي لا يبدأ عندما يُمنع الناس من الكلام.

بل يبدأ قبل ذلك بكثير.

يبدأ عندما يقتنع الإنسان بأن التعبير عن رأيه قد يكلفه أكثر مما سيكسبه.

 

قد يخسر علاقة.

أو مكانة.

أو احترامًا.

أو يُساء فهمه.

أو يُختزل في تصنيف لم يختره.

 

ومع مرور الوقت يتغير السؤال داخل الإنسان.

فلا يعود يسأل:

هل هذا الرأي صحيح؟

بل يسأل:

هل يستحق هذا الرأي الثمن الذي سأدفعه إذا قلته؟

وحين تصبح تكلفة التعبير أعلى من فائدته…

ينتصر الصمت.

لا لأنه أقنع الناس…

بل لأنه أخافهم.

 

ثالثًا… السودان… حين أصبح الرأي مخاطرة

خلال السنوات التي أعقبت عام ٢٠١٨م، ثم بصورة أشد بعد اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣م، لم يكن المجال العام السوداني يعيش فقط حالة استقطاب سياسي.

بل كان يعيش حالة استقطاب اجتماعي أيضًا.

لم يعد الناس يناقشون الأفكار وحدها…

بل أصبحوا يحسبون ردود الأفعال قبل أن يكتبوا جملة واحدة.

 

كيف سيُفهم كلامي؟

من سيقتطع جزءًا منه؟

إلى أي معسكر سأُنسب؟

ومن سيعتبر مجرد السؤال خيانة؟

 

وهكذا لم يعد كثير من السودانيين يخشون أن يكونوا مخطئين…

بقدر ما أصبحوا يخشون أن يُساء فهمهم.

 

وتحولت مساحة التعبير، في أحيان كثيرة، إلى مساحة للمخاطرة.

ليس لأن الآراء اختفت…

بل لأن تكلفة إعلانها ارتفعت.

 

رابعًا… الوهم الذي يصنعه الصمت

المفارقة أن الصمت لا يغيّر آراء الناس بالضرورة…

 

لكنه يغيّر ما يظنه الناس عن آراء الآخرين.

فكل شخص يرى الأصوات المرتفعة فقط.

ويظن أنها تمثل الجميع.

أما الذين يشبهونه…

فقد اختاروا الصمت مثله.

وهكذا يظن كل فرد أنه أقلية…

بينما يظن الآخرون الشيء نفسه.

فتتشكل دائرة مغلقة.

 

يصمت الناس لأنهم يعتقدون أن الجميع يخالفهم.

ويبدو الجميع متفقين…

لأن الجميع صامتون.

 

ولعل علماء الاتصال وصفوا هذه الآلية بما عُرف لاحقًا بـ”دوامة الصمت”، حيث لا تنتصر بعض الأفكار لأنها أقنعت الجميع، بل لأنها تجعل أصحاب الآراء الأخرى يعتقدون أنهم أصبحوا وحدهم.

وهنا يصبح الصمت نفسه قوة تصنع الواقع.

 

خامسًا… حين يتكلم الصمت

مع مرور الوقت لا يبقى الصمت مجرد امتناع عن الكلام.

 

بل يتحول إلى رسالة.

فكل رأي لا يُقال…

يمنح الرأي المقابل مساحة أكبر.

وكل سؤال لا يُطرح…

يترك مكانه لإجابة جاهزة.

وكل فكرة تخشى الظهور…

تسمح لفكرة أخرى بأن تبدو وكأنها الحقيقة الوحيدة.

 

وهكذا لا تفرض الروايات نفسها دائمًا لأنها الأقوى…

بل لأن كثيرًا من الروايات الأخرى لم تجد من ينطق بها.

وأحيانًا لا تنتصر الفكرة لأنها أقنعت الناس…

بل لأنها أقنعتهم أن الآخرين قد اقتنعوا بها.

 

سادسًا… الخسارة التي لا نراها

الخطر الحقيقي في الصمت ليس أنه يحرم المجتمع من الأصوات.

بل أنه يحرمه من البدائل.

 

فالمجتمع الذي تتراجع فيه حرية التعبير لا يخسر النقاش فقط…

بل يخسر أيضًا فرصة تصحيح أخطائه.

 

وحين يغيب التنوع…

تبدو الرواية الواحدة وكأنها الرواية الطبيعية.

وتبدو الأسئلة المختلفة وكأنها استثناء.

وتصبح الحقيقة أقل اتساعًا من الواقع نفسه.

ولهذا لا تُقاس قوة المجال العام بعدد من يتحدثون…

بل بقدرة المختلفين على الكلام دون خوف.

 

#أصل_القضية،،،

ليست المجتمعات القوية هي التي لا تختلف…

بل هي التي لا يخاف الناس فيها من الاختلاف.

ولا تبدأ أزمة الأوطان حين يكثر الكذب…

بل حين يقل الذين يملكون شجاعة قول الحقيقة.

فالرأي الذي لا يجد من يناقشه…

يتحول مع الزمن إلى يقين.

واليقين الذي لا يراجعه أحد…

يتحول إلى رواية.

والرواية التي لا تنافسها روايات أخرى…

تتحول إلى ذاكرة جمعية.

وربما لهذا السبب…

لم تكن معركة السودان، خلال السنوات الأخيرة، معركة على الأرض وحدها…

ولا على السلطة وحدها…

ولا على السلاح وحده…

بل كانت أيضًا معركة على من يجرؤ أن يتكلم…

ومن يختار أن يصمت.

لأن المجتمعات لا تُهزم فقط عندما تخسر معاركها…

بل قد تُهزم أيضًا…

عندما يخاف عقلاؤها من الكلام.

ولهذا…

فإن السؤال الذي ينتظرنا:

من الذي يصنع الشائعة؟

‫شاهد أيضًا‬

الكشف عن انتهاكات واستغلال جنسي بحق لاجئات سودانيات في تشاد

كشف تحقيق أجرته منظمة أطباء بلا حدود عن وقوع انتهاكات واستغلال جنسي بحق لاجئات سودانيات في…