‫الرئيسية‬ مقالات التعاونيات: بوصلة العودة وقاطرة الإعمار
مقالات - ‫‫‫‏‫20 ساعة مضت‬

التعاونيات: بوصلة العودة وقاطرة الإعمار

شيء للوطن م صلاح غريبة - مصر

 

Ghariba2013@gmail.com

بمناسبة اليوم الدولي للتعاونيات لعام 2026، نقف أمام منعطف تاريخي حاسم يفرض علينا إعادة تقييم أدواتنا الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما في الدول والمجتمعات التي تنفض عن كاهلها غبار الحروب والأزمات الطاحنة. لم يعد العمل التعاوني مجرد خيار تكميلي أو نوستالجيا لسياسات اقتصادية قديمة، بل أصبح “طوق النجاة” الحقيقي والملاذ الآمن لضمان عودة الحياة إلى طبيعتها، وتسهيل عودة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم، والبدء في مرحلة إعادة الإعمار على أسس صلبة وعادلة.

في أوقات النزاعات وما يعقبها، تبرز إلى السطح تشوهات اقتصادية حادة، لعل أقساها يتمثل في صعود “تجار الأزمات” ومافيا الأسواق. هؤلاء الذين يستغلون غياب الرقابة وندرة الموارد لمضاعفة الأسعار، مما يجعل تكلفة المعيشة عبئاً لا يطاق على كاهل المواطن البسيط، والنازح العائد الذي فقد كل ما يملك. وهنا، تبرز الأهمية القصوى لتكثيف دور الجمعيات التعاونية كحائط صد منيع يحمي الفئات الأكثر هشاشة.

إن ترك الأسواق لسياسات التحرير الاقتصادي المطلق في مراحل ما بعد الحروب هو بمثابة حكم بالإعدام على الطبقات العاملة وصغار الموظفين والعائدين من دول الجوار ومن مناطق النزوح. لذلك، يمثل تفعيل الجمعيات التعاونية—سواء كانت استهلاكية أو إنتاجية—السبيل الأنجع لكسر احتكار الوسطاء.

من خلال التجارب المستلهمة من إدارة الأزمات السابقة، يتبين أن نجاح هذه التعاونيات يعتمد على استراتيجيات واضحة بتوفير السلع الاستراتيجية والتركيز على سلة من السلع الأساسية وتقديمها بأسعار التكلفة أو بهامش ربح شبه معدوم، بجانب الحوكمة الإلكترونية واستخدام التقنيات الحديثة في توزيع الحصص لضمان وصول الدعم والسلع إلى مستحقيها الفعليين، ومنع تسربها إلى السوق السوداء، مع الربط المباشر مع المنتجين وإلغاء دور السماسرة من خلال شراء السلع مباشرة من المصانع والمزارع وتوزيعها عبر منافذ البيع التعاونية.

لا تقتصر أهمية التعاونيات على توفير الغذاء بأسعار مخفضة، بل تتعداها لتكون “قاطرة للتنمية المتوازنة”. في مرحلة إعادة الإعمار تتطلب حشد الجهود المجتمعية قبل الحكومية، والتعاونيات توفر الإطار المؤسسي الأمثل بخلق فرص العمل: تسهم التعاونيات الإنتاجية في معالجة نسب البطالة المرتفعة التي تخلفها الحروب، من خلال استيعاب الشباب والعائدين في مشاريع ذات قيمة مضافة (الزراعة، والصناعات الغذائية، ومواد البناء الأساسية)، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة: تعمل كحاضنة للمنتجين الصغار، مما يعزز من مرونة الاقتصاد المحلي ويحميه من الصدمات الخارجية، مع ترميم النسيج الاجتماعي: العمل التعاوني بطبيعته يجمع الأفراد حول مصلحة مشتركة، مما يساهم بشكل مباشر في تعزيز السلم الأهلي وإعادة بناء الثقة بين أبناء المجتمع الواحد بعد سنوات من التشظي.

إن القرار الأصعب الذي يواجه أي لاجئ أو نازح هو قرار “العودة”. فالمخاوف لا تقتصر على الأمن الجسدي، بل تمتد لتشمل الأمن الاقتصادي والغذائي. كيف سيعيش؟ ومن أين يشتري احتياجاته؟ وكيف سيبدأ من جديد؟

وجود شبكة قوية من الجمعيات التعاونية في مناطق العودة يوفر إجابات عملية ومطمئنة لهذه التساؤلات. التعاونيات الزراعية، على سبيل المثال، يمكنها توفير البذور والأسمدة للمزارع العائد، بينما تضمن التعاونيات الاستهلاكية استقرار أسعار السلع اليومية لعائلته، مما يخلق بيئة جاذبة ومستدامة تشجع على العودة الطوعية وتثبت المواطنين في أرضهم.

لقد تعرضت ثقافة العمل التعاوني في العديد من الدول التهميش المتعمد والملاحقة على مدار عقود، مما أدى إلى تعطل الآلاف من هذه الجمعيات وفقدان ثقة الجمهور بها لصالح رأسمالية متوحشة لا ترحم الضعيف.

اليوم، ونحن نحيي اليوم الدولي للتعاونيات 2026، يجب أن يكون الهدف الاستراتيجي لحكومة الأمل ومؤسسات المجتمع المدني هو رد الاعتبار للحركة التعاونية. إن النهوض بهذه المؤسسات يحتاج إلى دوافع اقتصادية حتمية، تشريعات قانونية تحميها، وإرادة سياسية تؤمن بأن الدولة لا يمكنها مجابهة تحديات ما بعد الحرب المعقدة بمفردها.

التعاونيات ليست مجرد دكاكين لبيع السلع الرخيصة، بل هي فلسفة حياة، وأداة إصلاحية مجتمعية، واللبنة الأولى في صرح الأوطان التي قررت أن تنهض من تحت الرماد متكاتفة وموحدة.

‫شاهد أيضًا‬

بالأرقام.. لجنة فرض هيبة الدولة تكشف حصاد حملاتها الأمنية بالخرطوم

عقدت لجنة ضبط الأمن وفرض هيبة الدولة بولاية الخرطوم، اليوم، اجتماعها التاسع بقاعة وزارة ال…