‫الرئيسية‬ مقالات السودان… لماذا ينتصر الاستعطاف على الحقيقة؟
مقالات - ‫‫‫‏‫16 ساعة مضت‬

السودان… لماذا ينتصر الاستعطاف على الحقيقة؟

أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في المقال السابق انتهينا إلى سؤال ظل يطرق باب الوعي السوداني منذ سنوات، دون أن نسميه باسمه.

قلنا إن الإنسان لا يصدق دائمًا ما تثبته الأدلة…

بل كثيرًا ما يصدق ما ينسجم مع ما يريد أن يراه صحيحًا.

لكن هذا لا يفسر وحده ما حدث في السودان.

لأن سؤالًا آخر ظل أكثر إلحاحًا.

إذا كانت الحقيقة موجودة…

فلماذا تخسر أحيانًا أمام رواية أضعف منها؟

ولماذا يتحول مشهد واحد إلى قضية وطنية…

بينما تعجز مئات الوقائع الموثقة عن إقناع الناس؟

ولماذا يبدو أن المجال العام لا يحسمه أحيانًا من يملك الأدلة…

بل من يملك القدرة الأكبر على تحريك المشاعر؟

وهنا تبدأ #أصل_القضية.

 

أولًا… الحقيقة لا تدخل المجال العام وحدها

هناك وهم شائع يقول إن الحقيقة، بمجرد ظهورها، تنتصر.

لكن التاريخ لا يعرف هذه القاعدة.

الحقيقة لا تتحرك وحدها.

إنها تحتاج إلى من يرويها.

ومن يشرحها.

ومن يمنحها سياقًا يجعل الناس يرونها.

أما إذا وصلت مجردة…

بينما وصلت الرواية الأخرى محمولة بالخوف، أو الدموع، أو صور الأطفال، أو أصوات الضحايا…

فإن المنافسة لا تعود بين حقيقتين.

بل بين العقل والعاطفة.

وغالبًا…

تصل العاطفة أولًا.

 

ثانيًا… حين يتحول التعاطف إلى رأس مال

التعاطف قيمة إنسانية نبيلة.

ولا يمكن لمجتمع أن يبقى حيًا إذا فقد القدرة على التعاطف.

لكن ما يحدث أحيانًا في المجال العام شيء مختلف.

إذ يتحول التعاطف من قيمة أخلاقية…

إلى أداة سياسية وإعلامية.

ويصبح الألم نفسه…

رأس مال.

يمكن استثماره.

وتضخيمه.

وتوجيهه.

وحشد الناس من خلاله.

وهنا لا يعود الهدف مجرد نقل المعاناة…

بل إدارة المعاناة.

وتسويقها.

واستخدامها لإنتاج المواقف والانحيازات.

وهكذا يظهر ما يمكن تسميته…

رأس المال العاطفي.

أي القدرة على تحويل المشاعر إلى قوة تأثير تتجاوز أحيانًا قوة الوقائع نفسها.

 

ثالثًا… سوق المظلومية

لكن رأس المال العاطفي لا يعمل منفردًا.

بل ينشئ حوله سوقًا كاملة.

يمكن أن نسميها…

سوق المظلومية.

وفي هذا السوق…

لا يتنافس الناس على تقديم الحلول.

بل على إثبات أنهم الأكثر ظلمًا.

ولا تتنافس الروايات على تفسير الواقع…

بل على احتكار صفة الضحية.

ويصبح الاعتراف بالألم الآخر…

وكأنه خصم من رصيد الألم الخاص.

فتبدأ منافسة الضحايا.

كل جماعة تقدم نفسها بوصفها صاحبة الجرح الأكبر.

والخسارة الأكبر.

والحق الأكبر في التعاطف.

وحينها…

يتحول الألم من جسر إنساني يوحد الناس…

إلى مورد رمزي تتنافس عليه الجماعات.

 

وأخطر ما في رأس المال العاطفي أنه يحتاج إلى الاستمرار في إنتاج المظلومية حتى يحافظ على تأثيره. ولذلك لا يكتفي بوصف الألم، بل يعيد إنتاجه في الوعي الجمعي، ويغذي المنافسة عليه، لأن انتهاء الشعور بالمظلومية يعني فقدان أحد أهم مصادر التأثير والحشد.

 

رابعًا… أخطر ما أنتجته الحرب… تجزئة الألم

ولعل من أخطر الظواهر التي برزت بوضوح بعد أبريل ٢٠٢٣م…

ما يمكن أن نسميه…

تجزئة الألم.

لقد أصبح الألم نفسه ينقسم.

لا في الواقع…

بل في الخطاب.

فصار لكل جماعة ألمها الخاص.

وذاكرتها الخاصة.

وشهداؤها.

ومظلومتها.

وأحيانًا…

حقيقتها الخاصة.

وهكذا بدأ الناس يتعاملون مع المأساة الوطنية…

وكأنها مآسٍ منفصلة.

لكن الحقيقة أعمق من ذلك.

لا يوجد ألم شمالي وآخر غربي، ولا ألم مدني وآخر ريفي، ولا ألم لمؤيد وآخر لمعارض.

فالألم، حين يكون حقيقيًا، لا يحمل بطاقة تعريف.

لكن الخطابات المتصارعة كثيرًا ما تمنحه واحدة.

وهنا تبدأ المأساة الثانية.

لأن المجتمع الذي يُقسِّم ألمه…

يصبح أكثر استعدادًا لتقسيم مستقبله.

 

خامسًا… لماذا ينتصر الاستعطاف؟

لأن الاستعطاف لا يطلب منك أن تفكر.

بل يطلب منك أن تشعر.

ولا يمنحك وقتًا للمراجعة.

بل يدفعك إلى اتخاذ موقف فوري.

إنه يخاطب الجهاز الأسرع في الإنسان…

لا الجهاز الأدق.

ولهذا تنتشر الصور قبل التقارير.

وتنتشر المقاطع القصيرة قبل الدراسات.

وتنتشر القصص الفردية قبل الإحصاءات.

فالدمعة…

أسرع من الفكرة.

والصورة…

أسرع من البرهان.

والقصة…

أسرع من التحليل.

ولهذا لا ينتصر الاستعطاف لأنه أقرب إلى الحقيقة…

بل لأنه أقرب إلى طبيعة الاستجابة البشرية.

لأن الاستعطاف لا يطلب من الإنسان أن يغيّر قناعته، بل يسمح له بأن يحتفظ بها. أما الحقيقة، فكثيرًا ما تطلب منه مراجعة نفسه. ومراجعة القناعات من أصعب ما يفعله العقل البشري، لأنها لا تعني تغيير رأي فحسب، بل تعني أحيانًا إعادة تعريف الذات. ولهذا يبدو الانفعال أسهل من المراجعة، ويبدو التعاطف أسرع من الاعتراف بخطأ سابق.

 

سادسًا… حين تصبح المشاعر سلطة

الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتعاطف.

بل عندما تصبح العاطفة…

هي المحكمة.

عندما يتحول السؤال عن الدليل إلى تهمة.

وعندما يصبح طلب التحقق قسوة.

ويصبح النقاش خيانة.

ويصبح الاختلاف انعدامًا للإنسانية.

عندها…

لا يعود المجال العام يبحث عن الحقيقة.

بل يبحث عن الرواية الأكثر قدرة على صناعة الانفعال.

وهنا تتحول المشاعر من نعمة تحفظ إنسانيتنا…

إلى سلطة قد تعطل قدرتنا على التمييز.

 

#أصل_القضية…

ليست الأزمة أن نتأثر.

فالإنسان الذي لا يتأثر…

يفقد شيئًا من إنسانيته.

وليست الأزمة أن نتعاطف.

فالتعاطف هو الذي يجعل المجتمعات قادرة على النجاة من الحروب.

لكن الأزمة تبدأ…

حين يصبح الاستعطاف بديلًا عن الحقيقة.

وحين تتحول المظلومية إلى سوق.

والألم إلى رأس مال.

والضحايا إلى أطراف في منافسة لا تنتهي.

لأن المجتمع الذي يقيس قيمة الإنسان بحجم الألم الذي يرويه…

قد ينسى أن وظيفة الألم ليست أن يمنحنا امتيازًا أخلاقيًا…

بل أن يعلمنا كيف لا نصنع ألمًا جديدًا.

ومن منظور رؤية الجسر والمورد…

فإن السودان لا يحتاج اليوم إلى منافسة جديدة بين الضحايا…

بل إلى استعادة الحقيقة التي تجمعهم.

ولا يحتاج إلى تقسيم الألم…

بل إلى الاعتراف بأنه ألم واحد…

تعددت أماكنه…

لكن وطنه واحد.

ولهذا…

فإن السؤال الذي ينتظرنا لن يكون:

كيف نكشف الأخبار الكاذبة؟

ولا:

كيف نقنع الناس بالحقيقة؟

بل سؤالًا ربما يكون أخطر من ذلك كله…

هل نبحث عن الحقيقة أم عن الطمأنينة؟

(سيكولوجية التلقي الجماهيري)

 

لأن معركة الوعي لا تبدأ حين نعرف الحقيقة…

بل حين نصبح مستعدين لمراجعة ما كنا نظنه حقيقة.

‫شاهد أيضًا‬

طالبات داخلية الشهيد علي عبد الفتاح بأم درمان يحتفلن بتحرير الكرمك

خرجت طالبات داخلية الشهيد علي عبد الفتاح بمدينة أم درمان في مسيرة احتفالية ابتهاجا بتحرير …