الأوبئة كسلاح خفي في زمن الحروب
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

في هذه الأيام، يقف السودان أمام مشهد بالغ الخطورة، مشهد لا تصنعه المدافع ولا الدبابات ولا الطائرات، بل تصنعه كائنات صغيرة لا تُرى بالعين المجردة إلا حين تلسع الجسد وتترك أثرها القاتل. إن كثافة البعوض المنتشرة في محلية شرق النيل وفي مختلف محليات العاصمة الخرطوم ليست مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، بل تبدو وكأنها جزء من مخطط مدبر، سلاح جديد يُستخدم في زمن الحروب لإضعاف الشعوب وإرهاقها، سلاح لا يقل خطورة عن أي مواجهة عسكرية مباشرة.هذا النوع من البعوض الذي يختلف في حجمه ونوعه عن الأنواع المعتادة، يفتك بالإنسان والحيوان معاً، ويحوّل الصحة العامة إلى ساحة حرب صامتة لا تُسمع فيها أصوات القذائف، لكنها تترك خلفها ضحايا بالآلاف.
التاريخ العسكري والسياسي يوثق أن استغلال الأوبئة في زمن الحروب ليس وليد اللحظة، بل هو سلوك إجرامي قديم يُعرف بالحروب البيولوجية. فقد لجأت جيوش عبر العصور إلى استخدام مسببات الأمراض عمداً كقنابل جرثومية تنهك الشعوب وتشل قدرتها على المقاومة، كما لجأت إلى قصف محطات المياه والمستشفيات لإجبار السكان على شرب مياه ملوثة تؤدي إلى تفشي الكوليرا والتايفوئيد.
هذا النوع من الاستهداف لا يضرب فقط الأجساد، بل يضرب أساس الحياة اليومية، ويحوّل الصحة العامة إلى ساحة معركة إضافية، حيث يصبح المرض نفسه أداة للقتل الجماعي.وإذا كان البعض يرى أن انتشار البعوض في السودان اليوم مخطط لا يقل خطورة عن حرب أبريل، فإن ذلك يعكس قناعةراسخة بأن الدول التي لا تريد للسودان خيراً وساهمت في قيام الحرب قد تلجأ إلى أساليب غير تقليدية لإضعافه. فحين تعجز المخططات الاستعمارية المباشرة، قد يُستبدل القصف العسكري بنشر الأوبئة، ليصبح المرض وسيلة لإبادةالشعوب وإضعافها من الداخل. هذا النوع من الاستهداف لا يفرق بين طفل أو شيخ، ولا بين رجل أو امرأة، بل يضرب الجميع بلا استثناء، ويحوّل الخوف إلى أداة سياسية واجتماعية.
إن أخطر ما في هذا المشهد أن الأوبئة لا تميز أحداً،وأن استخدامها كسلاح يتعارض مع كل المواثيق الدوليةالتي تحظرالحرب البيولوجية وتجرّم استهداف المدنيين. لكن الواقع يكشف أن هذه المواثيق كثيراً ما تُنتهك، وأن الشعوب هي من تدفع الثمن الأكبر.
فحين يُمنع دخول الأدوية والمطاعيم والمساعدات الإنسانية، وحين تُستخدم الحرب النفسية والإعلامية لنشر الشائعات المغرضة التي تدفع الناس إلى رفض العلاج أو الامتناع عن أخذ اللقاحات يصبح المجتمع أكثر عرضة للأوبئة، ويُحوّل الخوف إلى أداة سياسية. ومع ذلك، فإن الشعب السوداني الذي صبر على ويلات الحروب والمجاعات والحصار، سيظل صامداً ومحتسباً، مؤمناً بأن الفرج قريب مهما تكالبت عليه الأمم. فالله غالب على أمره، وإن أكثر الناس لا يعلمون.
إن الأوبئة في زمن الحروب ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لسياسات ممنهجة، ومقاومتها تبدأ بكشف الحقيقة وفضح المستور، وتوثيق كل الانتهاكات، حتى لا يبقى المرض سلاحاً خفياً يُستخدم في الظلام.إن مواجهة هذا التحدي تتطلب وعياً شعبياً واسعاً، ورقابة دولية صارمة، وتكاتفاً مجتمعياً يضع الصحة العامة في صدارة الأولويات فحين تتحول الصحة إلى ساحة حرب، يصبح المجتمع بأسره في مواجهة خطر وجودي، ولا سبيل للنجاة إلا بالوعي والرقابة والتكاتف.
سيظل السودان رغم كل المؤامرات واقفاً، وسيبقى الشعب السوداني صامداً أمام كل سلاح خفي، مؤمناً أن المرض مهما اشتد لن يكون أقوى من إرادة الحياة، وأنه مهما طال الليل فلا بد أن يطلع الفجر، ومهما تكالبت الأمم فإن السودان سيبقى عصياً على الانكسار، وسيظل أبناؤه صابرين محتسبين، يواجهون الأوبئة كما واجهوا المدافع، ويؤمنون أن فرج الله آتٍ لا محالة.حفظ الله السودان وشعبه من كل شر وبلاء.
meehad74@gmail.com
لمن يكتب قبل ان يعلم!! من هو الدكتور اسامه الفاتح العمرى
إن التساؤلات التي أثارتها بعض الأقلام مؤخراً، والاتهامات الضمنية التي تحاول تصنيف الدكتور …





