‫الرئيسية‬ مقالات تصنيف “الدعم السريع” إرهابية.. صحوة متأخرة تنتظر التنفيذ
مقالات - ‫‫‫‏‫12 ساعة مضت‬

تصنيف “الدعم السريع” إرهابية.. صحوة متأخرة تنتظر التنفيذ

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مضر

Ghariba2013@gmail.com

 

بعد ثلاث سنوات من نزيف الدم المستمر، والتهجير القسري، والدمار الممنهج الذي طال البنية التحتية والنسيج الاجتماعي في السودان، تبدو الخطوة الأخيرة التي اتخذها البرلمان الأوروبي بمثابة صحوة ضمير دولية طال انتظارها. إن التصويت الكاسح لصالح إدراج مليشيا الدعم السريع على قائمة المنظمات الإرهابية ليس مجرد قرار سياسي عابر، بل هو إقرار قانوني وأخلاقي بحجم الكارثة الإنسانية التي حلت بالشعب السوداني، وتوثيق رسمي لفظائع لا يمكن للمجتمع الدولي الاستمرار في غض الطرف عنها.

لغة الأرقام في أروقة البرلمان الأوروبي ببروكسل تحدثت بصوت أعلى من أي بيان دبلوماسي؛ بأغلبية ساحقة بلغت 79.3% (476 صوتاً مؤيداً)، مقابل معارضة ضئيلة لم تتجاوز 4.6%، وجه المشرعون الأوروبيون صفعة مدوية لكل من راهن على استمرار الصمت الدولي. هذا التصويت الساحق يعكس إجماعاً غير مسبوق وإدراكاً عميقاً بأن ما يجري في السودان ليس مجرد صراع داخلي على السلطة، بل هو سلسلة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تستوجب حسماً دولياً لا لبس فيه.

إن هذه الخطوة التاريخية تتماهى تماماً مع نبض الشارع السوداني وتطلعات أبنائه في المهجر. وكما عبر تجمع السودانيين بالخارج (صدى) في بيانه الترحيبي لدورة (2026 – 2028م)، فإن هذا القرار، وإن جاء متأخراً بعد سنوات من المعاناة، يمثل خطوة حاسمة في الاتجاه الصحيح. لقد تجاوز مطلب تصنيف هذه المليشيا كمنظمة إرهابية مربع التجاذبات السياسية، ليصبح اليوم ضرورة حتمية لحماية أرواح المدنيين وصون الكرامة الإنسانية.

لم يغفل القرار الأوروبي عن تسليط الضوء على معاناة محددة، متخذاً من مدينة الأبيض نموذجاً صارخاً للوحشية. إن الإدانة الشديدة للفظائع المرتكبة خلال الحصار الخانق والمستمر على المدينة، واستهداف المنشآت المدنية، يعيد تذكير العالم بأن سلاح التجويع، والعنف الجنسي، وترويع الآمنين هي أدوات ممنهجة في عقيدة هذه المليشيا.

هذا التحذير الواضح من تصاعد انتهاكات القانون الدولي الإنساني وتدهور وضع حقوق الإنسان، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته المباشرة لمنع انزلاق البلاد نحو مجاعة شاملة وكارثة إنسانية لا يمكن احتواؤها.

لعل من أهم ما تضمنه القرار والمواقف المساندة له هو تسليط الضوء على “شرايين الحياة” التي تغذي آلة الحرب. إن إدانة التدخل الأجنبي ومطالبة الدول بوقف كافة أشكال الدعم، وخاصة الإمداد العسكري والتسليح، يضرب في العصب الحيوي للأزمة بمحاسبة المتواطئين والمطالبة بفرض عقوبات على الجهات الخارجية المتواطئة والشركات الأمنية التي تنتهك حظر الأسلحة الأممي، يمثل تحولاً من إدانة الوكيل إلى محاكمة الأصيل، ومنع إعادة التدوير، حيث تتوافق هذه المطالب تماماً مع رؤية التجمعات الوطنية في الخارج، والتي حذرت مراراً من أي محاولات إقليمية أو دولية لـ “إعادة تدوير” المليشيا أو منحها أي شرعية سياسية مستقبلية بعد السجل الدموي الحافل بالجرائم.

من حبر القرارات إلى واقع التنفيذ

إن القيمة الحقيقية لأي قرار دولي لا تكمن في صياغته اللفظية، بل في آليات تنفيذه على أرض الواقع. ومن هنا، تبرز الحاجة الماسة إلى حزمة من الإجراءات الفورية التي يجب على مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء اتخاذها، في المسار الإنساني العاجل. ترجمة الدعوة لتكثيف المساعدات إلى واقع ملموس، عبر توفير تمويل مالي مباشر للمنظمات والمبادرات المحلية العاملة في الخطوط الأمامية، ولا سيما الكوادر الطبية التي تكافح في ظروف شبه مستحيلة، بخصوص الممرات الآمنة، فرض إنشاء ممرات إنسانية غير مشروطة تضمن إجلاء المدنيين المحاصرين وإيصال الغذاء والدواء لمن هم في أمس الحاجة إليه، وعن المسار القانوني والجنائي، الشروع الفوري في إجراء تحقيقات مستقلة في جرائم الحرب الموثقة، والدفع بقوة نحو توسيع نطاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليشمل كامل الأراضي السودانية، لضمان عدم إفلات أي مجرم من العقاب.

في الختام، إن قرار البرلمان الأوروبي يمثل نقطة ضوء في نفق مظلم، ولكي لا يتحول إلى مجرد وثيقة أرشيفية أخرى في أضابير المنظمات الدولية، يجب على العواصم الأوروبية والمجتمع الدولي بأسره تحويله إلى أفعال صارمة وعقوبات نافذة. إن الشعب السوداني الذي دفع فاتورة باهظة من دمائه ومقدراته، لا ينتظر مزيداً من بيانات التعاطف، بل يترقب خطوات عملية تضع حداً لآلة الموت، وتفتح الباب أمام استرداد حقه المشروع في الأمن، والسلام المستدام، والعدالة الناجزة.

‫شاهد أيضًا‬

رسائل في بريد حاكم إقليم النيل الأزرق [3-5] من “سلة غذاء” إلى “سلة خام”.. متى نكسر تبعيتنا؟

أولاً: نُهنئ أنفسنا وأهل السودان كافة بتطهير الكرمك الحبيبة من دنس المليشيا المغتصبة المتم…