السودان… التفريغ الصامت للدولة
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

ليست كل الدول تُفرَّغ بالحروب…
ولا كل الأوطان تُهزم بالاحتلال…
فهناك دول تُفرَّغ بصمت، حين تصبح الحياة فيها أكثر قسوة من الرحيل، ويصبح البقاء فيها امتحانًا يوميًا يفوق قدرة الإنسان العادية.
وقد كتبنا في #أصل_القضية أن الحرب في السودان تجاوزت المعنى التقليدي لتكون إدارة صراع.
هذا النوع من التفريغ لا يبدأ عند الحدود…
بل يبدأ داخل النفوس.
ونقصد بالتفريغ الصامت للدولة تلك العملية التدريجية التي تؤدي إلى استنزاف المجتمع من داخله، عبر تآكل الثقة، وضعف رأس المال الاجتماعي، وتراجع الرغبة في البقاء والعودة، بما يفضي إلى إضعاف قدرة الدولة على التعافي حتى دون استمرار العمليات العسكرية.
في الشهرين الأخيرين ، لم يعد أكثر ما يلفت الانتباه هو حجم الدمار الذي تعرضت له العاصمة الخرطوم، وإنما ذلك التحول البطيء في العلاقات بين الناس. ازداد التوتر، وضاق هامش الاحتمال، وأصبح كثير من سكان الولاية يحملون أعباءً نفسية واقتصادية تفوق طاقتهم، حتى صار الغضب يتجه في أحيان كثيرة إلى أقرب الناس، بدلاً من أن يوجَّه إلى الأسباب الحقيقية للأزمة.
وهنا تكمن الإشارة التي تستحق القراءة.
فحين يتحول المجتمع من شبكة إسناد إلى بيئة استنزاف، تبدأ الدولة في خسارة أهم أصولها ألا وهو الإنسان وهنا أيضا كتبنا قبل يومين عبر #أصل_القضية يوم عاد الناس ولم يعد الإنسان السوداني.
إن أخطر ما تنتجه إدارة الصراع ليس الدمار وحده، وإنما إنهاك المجتمع حتى يفقد قدرته على التماسك. ومع استمرار الضغوط، تتراجع الثقة، ويضعف التعاطف، وتصبح العلاقات اليومية أكثر هشاشة، ويغدو الاحتكاك بين المواطنين جزءًا من الحياة المعتادة.
هذه ليست مجرد أزمة أخلاقية…
بل مؤشر استراتيجي.
في أدبيات التنمية، يُطلق على هذا المورد غير المرئي اسم “رأس المال الاجتماعي”، وهو شبكة الثقة والتعاون والتكافل التي تمكّن المجتمعات من الصمود في وجه الأزمات. وإذا انهارت هذه الشبكة، تصبح إعادة بناء الاقتصاد والسياسة أكثر صعوبة، لأن المجتمع نفسه يكون قد فقد قدرته على التماسك.
فالدول لا تُقاس بعدد سكانها فقط، وإنما بمستوى ترابطهم، وثقتهم المتبادلة، واستعدادهم للتضحية من أجل مجتمعهم.
وحين تتآكل هذه الروابط، تبدأ آثار ديموغرافية عميقة في الظهور.
يزداد الميل إلى الهجرة.
تتراجع الرغبة في العودة.
تنتقل الكفاءات إلى الخارج.
تتفكك الأسر بفعل النزوح والاغتراب.
وتنشأ أجيال ترتبط بأوطان بديلة أكثر من ارتباطها بالسودان.
عندها لا يكون النزيف في الأرض…
بل في البشر.
ولذلك فإن أخطر أنواع الهجرة ليست مغادرة المطارات والمعابر…
بل مغادرة الانتماء.
فالإنسان يغادر وطنه وجدانيًا قبل أن يغادره جغرافيًا.
وإذا وصل المجتمع إلى مرحلة يصبح فيها المواطن عبئًا على المواطن، فإن كثيرين سيغادرون لا لأنهم لا يحبون السودان، بل لأنهم لم يعودوا يجدون فيه القدرة على الحياة الكريمة أو الطمأنينة الاجتماعية.
الغريب في الأمر أن هذه المشاهدات يومية والتشجيع عليها يوميا وكوني شاهد على الحرب منذ ١٥ أبريل ٢٠٢٣م فإن بعض الأنماط الاجتماعية التي صاحبت إفراغ الخرطوم تبدو وكأنها تتكرر اليوم بصورة تستحق الرصد والتحليل. حاولت أن استوثق من ذلك عبر الاستفسار فوجدت ذات السيناريو في عدد من الأحياء يتكرر بذات النسق .
وهذا ما يقودنا إلى أن نطلق شارة الإنذار المبكر بأنه بموجب هذه المشاهدات.
ومن منظور الإنذار المبكر، فإن ما يُرصد اليوم لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه أحداثًا متفرقة، بل بوصفه مؤشرات تستحق المتابعة، من أبرزها:
– تزايد التوترات اليومية بين المواطنين وتحول الخلافات البسيطة إلى نزاعات متكررة.
– تراجع الثقة داخل الأحياء السكنية وبين شبكات العلاقات الاجتماعية، واتساع دائرة الشكوك المتبادلة.
– ضعف المبادرات المجتمعية التي شكلت خلال الحرب خط الدفاع الأول للتكافل والإسناد واختفاء تام للتكايا والمعونات التي كانت تقدم من قبل الجهات الرسمية والمنظمات.
– تزايد شعور الأفراد بأن البيئة الاجتماعية أصبحت مصدرًا للضغط بدلًا من أن تكون مصدرًا للأمان.
– تراجع رغبة النازحين واللاجئين في العودة وارتفاع رغبة الموجودين في المغادرة مع تزايد حركة بيع العقارات.
– تنامي خطابات التحريض والتشكيك والاستقطاب، بما يهدد ما تبقى من رأس المال الاجتماعي.
– تزايد المخاوف المجتمعية من انتشار بعض السلوكيات الخطرة، بما في ذلك تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية.
وإذا استمرت هذه المؤشرات في التصاعد دون تدخلات مجتمعية ومؤسسية فاعلة، فقد يواجه السودان مرحلة تتسم بتراجع القدرة على التماسك الاجتماعي، وارتفاع كلفة التعافي، وتباطؤ إعادة الإعمار، لأن المجتمعات التي تفقد ثقتها بنفسها تحتاج إلى وقت أطول لاستعادة قدرتها على النهوض من المجتمعات التي خسرت بنيتها التحتية فقط.
إن إعادة الإعمار ليست إسمنتًا وحديدًا.
وإعادة الدولة ليست قرارات ومراسيم.
بل تبدأ بإعادة بناء الثقة بين الناس، واستعادة روح التكافل، وتجفيف منابع الكراهية، وإحياء ثقافة الاحتمال والتراحم التي طالما عُرف بها السودانيون.
إن السودان لم يُبنَ عبر تاريخه بالقوة وحدها، وإنما بالمجتمع الذي كان يسند بعضه بعضًا في الشدة قبل الرخاء.
واليوم، فإن معركة الحفاظ على هذا المجتمع لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى.
في الإنذار المبكر، لا تكمن أهمية المؤشرات في قدرتها على تحديد موعد الأزمة، بل في قدرتها على منح المجتمع فرصة لتجنبها. وما نرصده اليوم ليس حكمًا على المستقبل، وإنما دعوة للتحرك قبل أن تتحول الشقوق الاجتماعية إلى صدوع يصعب ترميمها، وقبل أن يصبح استنزاف رأس المال الاجتماعي أخطر من استنزاف الموارد المادية.
> فالإنذار المبكر لا يهدف إلى التنبؤ بالمستقبل، وإنما إلى منحه فرصة لأن يكون أفضل
لأن الدول لا تُفرَّغ حين يغادرها الناس فقط، بل تُفرَّغ حين يفقد الناس قدرتهم على العيش معًا. فإذا انهار رأس المال الاجتماعي، أصبحت الهجرة نتيجة، لا سببًا، وأصبح إفراغ الدولة عملية صامتة تبدأ من النفوس قبل الحدود.
مسعد بولس ينفي التوصل لتفاهم نهائي بشأن الهدنة في السودان
نفى كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، صحة الت…





