‫الرئيسية‬ مقالات حين تتكلم الحكمة يصمت دعاة الفتنة… مسؤولية الإعلام الوطني في حماية السودان
مقالات - ‫‫‫‏‫18 ساعة مضت‬

حين تتكلم الحكمة يصمت دعاة الفتنة… مسؤولية الإعلام الوطني في حماية السودان

حديث الساعة إلهام سالم منصور

يمر السودان بمرحلة استثنائية من تاريخه الحديث، مرحلة تتطلب أن تتكاتف فيها جميع الجهود الوطنية من أجل حماية ما تبقى من تماسك المجتمع، وأن يدرك الجميع أن المعركة الحقيقية لا تقتصر على ساحات القتال، بل تمتد إلى معركة الوعي والكلمة والإعلام. فالكلمة قد تكون سلاحًا يحفظ الوطن، وقد تتحول إلى معول يهدم وحدته إذا استُخدمت بغير مسؤولية.

إن مسؤولية حكماء السودان، من القيادات المجتمعية والإدارات الأهلية والعلماء والمثقفين والإعلاميين، أصبحت اليوم أكبر من أي وقت مضى. فهؤلاء هم صمام الأمان الذي يلجأ إليه المجتمع عند الأزمات، وهم القادرون على إخماد نار الفتن قبل أن تمتد إلى كل بيت وقرية ومدينة. فالحكمة ليست مجرد كلمات تقال، وإنما موقف وطني يضع أمن السودان واستقراره فوق كل اعتبار.

ومع اقتراب البلاد من تجاوز مرحلة الحرب، تزداد محاولات بعض الجهات لإثارة الفتن بين مكونات المجتمع السوداني، عبر بث الشائعات، ونشر الأخبار المفبركة، وإحياء النعرات القبلية والجهوية، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي لإشاعة الخوف والشك بين المواطنين. إن هذه الأساليب ليست جديدة، فقد أصبحت جزءًا من حروب الجيل الخامس التي تستهدف الدول من الداخل، وتسعى إلى تفكيك المجتمعات دون إطلاق رصاصة واحدة.

ولذلك فإن الإعلام الوطني اليوم مطالب بأن يكون إعلامًا مسؤولًا، يزن الكلمة قبل نشرها، ويتحقق من المعلومات قبل تداولها، ويضع المصلحة الوطنية فوق السبق الصحفي أو زيادة عدد المشاهدات. فالإعلام الحقيقي لا يصنع الأزمات، بل يسهم في احتوائها، ولا يغذي الشائعات، بل يكشف زيفها بالحجة والدليل.

كما أن المنصات الرقمية تتحمل مسؤولية كبيرة في عدم تضخيم الأحداث الفردية وتحويلها إلى أزمات وطنية. فكثير من الأخبار التي تنتشر بسرعة تكون غير مكتملة أو مجتزأة أو خالية من التحقق، ومع إعادة نشرها على نطاق واسع تتسبب في إثارة الذعر، وتمنح مروجي الفتن ما يريدونه من بلبلة وانقسام. ومن هنا فإن التثبت من الأخبار أصبح واجبًا وطنيًا قبل أن يكون واجبًا مهنيًا.

لقد عرف السودان عبر تاريخه الطويل بأنه بلد التعايش والتسامح والتكافل، وكانت القبائل والمكونات الاجتماعية المختلفة تعيش في ظل الاحترام المتبادل وروابط المصاهرة والجوار والمصالح المشتركة. وهذه القيم هي الثروة الحقيقية التي يجب الحفاظ عليها، لأنها أقوى من كل دعوات الكراهية والانقسام.

ولا يمكن إغفال الدور الكبير للإدارات الأهلية ورموز المجتمع في هذه المرحلة، فهم يمتلكون من الحكمة والخبرة والقبول الاجتماعي ما يؤهلهم لاحتواء النزاعات، وتقريب وجهات النظر، وإغلاق الأبواب أمام كل من يسعى إلى إشعال الفتن بين أبناء الوطن الواحد.

إن السودان بعد الحرب سيكون في حاجة إلى مشروع وطني كبير لإعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء الحجر، وإلى خطاب إعلامي يعزز ثقافة السلام، ويرسخ قيم المواطنة، ويؤكد أن قوة السودان تكمن في وحدته وتنوعه، لا في الانقسام والتناحر.

كما أن على المواطنين أنفسهم أن يدركوا أن إعادة نشر أي خبر مجهول المصدر قد تجعلهم، من حيث لا يشعرون، جزءًا من دائرة الشائعات، ولذلك فإن المسؤولية مشتركة بين الإعلام والمؤسسات الرسمية والمجتمع، وكل فرد مطالب بأن يتحرى الحقيقة قبل أن يضغط زر النشر أو المشاركة.

إن التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تسقط دائمًا بالقوة العسكرية، وإنما قد تضعف عندما تنتشر الفتن بين أبنائها، ويغيب صوت العقل، وتعلو أصوات التحريض والكراهية. لذلك فإن مسؤولية هذه المرحلة هي أن نجعل الحكمة هي اللغة السائدة، وأن نقدم مصلحة السودان على كل المصالح الضيقة، وأن ندرك أن استقرار الوطن هو الضمان الحقيقي لمستقبل الأجيال القادمة.

حفظ الله السودان، وحفظ شعبه من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وجعل الحكمة والعقل والوعي سلاحًا يحمي الوطن، حتى يعبر هذه المرحلة الصعبة موحدًا، قويًا، آمنًا، ومستقرًا.

الاربعاء ١٥يوليو٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

كامل إدريس يضع مبادرة سلام السودان أمام ترويكا السيسا

التقى رئيس مجلس الوزراء بروفيسور كامل إدريس، اليوم بالخرطوم، وفد لجنة ترويكا السيسا الذي ي…