‫الرئيسية‬ مقالات (الدبة حين يكافا الوفاء بالفوضي )
مقالات - ‫‫‫‏‫12 ساعة مضت‬

(الدبة حين يكافا الوفاء بالفوضي )

عوض الكريم إبراهيم  محمد إبراهيم 

ليس من الوفاء أن يكافأ أهل العطاء بالخوف، وليس من العدل أن يكون ثمن احتضان الوطن هو ضياع الأمن. فهل أصبح هذا هو جزاء الدبة؟

الدبة، تلك المدينة الوادعة التي لم تعرف عبر تاريخها إلا الكرم والتسامح والتعايش، لم تكن يوما مدينة مغلقة في وجه أحد، بل كانت ملاذا لكل سوداني ضاقت به الأرض. فتحت أبوابها لكل عابر، واحتضنت كل تاجر، وآوت كل من ساقته إليها قسوة الجفاف والتصحر والحروب، حتى أصبح الجميع جزءا من نسيجها الاجتماعي، يتقاسمون الأفراح والأتراح، دون سؤال عن قبيلة أو جهة أو لون.

لم تعرف الدبة صراعا قبليا ولا فتنة إثنية، وإنما كانت مثالا للتعايش، وكانت ثقافة الطنبور والمحبة هي اللغة التي تجمع أهلها.

وعندما اندلعت الحرب، لم تتردد الدبة لحظة واحدة في أداء واجبها الوطني والإنساني. فتحت بيوتها قبل معسكراتها، وقلوب أهلها قبل مؤسساتها، واستقبلت عشرات الآلاف من النازحين، وقدمت لهم الطعام والمأوى والأمان، ولم تمن عليهم بشيء.

وحين نزح أهل الفاشر كانت الدبة أول الحاضنين، فآزرتهم وساندتهم وشاركتهم محنتهم، كما احتضنت القوات التي اضطرتها ظروف الحرب إلى الارتكاز فيها، إيمانا منها بأن معركة الوطن مسؤولية الجميع.

لكن المؤلم أن المدينة التي منحت الجميع الأمن أصبحت اليوم تبحث عن أمنها، وأن المدينة التي آوت الآخرين أصبحت هي نفسها مهددة بالفوضى والانفلات.

إن ما يجري اليوم في الدبة ليس حادثا عابرا، وإنما ناقوس خطر يجب أن يوقظ كل أجهزة الدولة. انتشار السلاح داخل المدينة، وتحرك الجماعات المسلحة، وظهور بؤر للجريمة، وتعدد المسميات العسكرية، كل ذلك ينسف هيبة الدولة، ويزرع الخوف في نفوس المواطنين.

إن الصمت على هذه الفوضى ليس بعد نظر وإنما تواطؤ مع الفوضى، والتأخر في الحسم ليس حكمة، وإنما مخاطرة بأمن الولاية الشمالية كلها.

الدبة ليست مدينة معزولة، بل هي بوابة الشمالية وراس رمحها وأي اختراق لأمنها هو اختراق لأمن الولاية بأكملها. ومن يظن أن الفوضى ستقف عند حدودها فهو واهم، فالنار إذا اشتعلت لا تميز بين بيت وآخر.

ومن هنا فإن المسؤولية تقع كاملة على أجهزة الولاية وقيادة الفرقة 19، واستخباراتها، والشرطة العسكرية، والشرطة، وجهاز الأمن. فهذه المؤسسات وجدت لحماية المواطن، لا لانتظار وقوع الكارثة ثم إصدار البيانات والبحث عن حلول

لقد جردت الدولة مجموعات حملت السلاح داخل الولاية ( اولاد قمري + الشاذلي) ومنعت قيام أي مليشيات أو تشكيلات خارج إطار القوات النظامية، فلماذا يسمح اليوم بظهور جماعات أخرى تحت مسميات مختلفة وافده الي الولاية ولماذا تمر المركبات المحملة بما لا يعلم محتواه عبر الارتكازات دون تفتيش وكأنها فوق القانون؟

إذا كانت الدولة جادة في حماية الشمالية، فعليها أن تتحرك الآن، لا غدا، وأن تتخذ قرارات لا تعرف المجاملة ولا التردد.

أولا، تجريد كل قوة غير نظامية من السلاح فورا مهما كان واقعها والدافع الذي من ورائها

ثانيا، إبعاد كل المجموعات المسلحة الوافدة خارج المدن والمناطق السكنية.

ثالثا، إخضاع جميع المركبات للتفتيش دون استثناء عدا مركبة قائد الفرقه أو الوالي اللتين تحملان علم السياده ورمزية الجيش فلا أحد أكبر من القانون

رابعا، ملاحقة أوكار المخدرات والجريمة المنظمة بكل قوة، وعدم الاكتفاء بردود الأفعال فالمجرمين اصبحوا في وضح النهار ولا يستحون

أما الحديث الذي صدر عن إدارة المحلية بأن ما حدث صراع بين تجار مخدرات، فهو في حد ذاته جرس إنذار خطير. فإذا كانت عصابات المخدرات قد وجدت لها موطئ قدم في الدبة، فهذه ليست مشكلة جنائية فحسب، بل قضية أمن قومي تستوجب محاسبة كل من قصر في أداء واجبه.

لن يقبل أهل الشمالية أن تتحول الدبة إلى ساحة للفوضى، ولن يسمحوا بأن تضيع مدينة كانت عبر تاريخها رمزا للأمن والتسامح بسبب التراخي أو ضعف القرار.

إن أمن الدبة خط أحمر، وأمن الولاية الشمالية خط أحمر، وهيبة الدولة خط أحمر. ومن أراد الحفاظ على الوطن، فليبدأ بحماية المدن التي وقفت مع الوطن عندما تخلى عنها كثيرون.

حفظ الله الدبة وأهلها، وحفظ الولاية الشمالية، ورد عنها كيد العابثين، وألهم ولاة الأمر الشجاعة لاتخاذ القرار قبل أن يفرض الواقع قراراته المؤلمة.

اليوم الاربعاء الموافق 2026/7/15

محلية مروي تنقاسي الرويس

‫شاهد أيضًا‬

كامل إدريس يضع مبادرة سلام السودان أمام ترويكا السيسا

التقى رئيس مجلس الوزراء بروفيسور كامل إدريس، اليوم بالخرطوم، وفد لجنة ترويكا السيسا الذي ي…