‫الرئيسية‬ مقالات السودان بين الحقيقة والافتراء لا تظلموه باتهامات بلا دليل
مقالات - ‫‫‫‏‫23 ساعة مضت‬

السودان بين الحقيقة والافتراء لا تظلموه باتهامات بلا دليل

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

ليس من العدل أن تتحول الخصومة السياسية إلى خصومة مع الحقيقة، ولا أن تصبح الرغبة *في إدانة الخصوم سببًا في ترويج ادعاءات لا يسندها الواقع. ومن أكثر ما يلفت الانتباه في الخطاب السياسي السوداني اليوم محاولة ربط السودان بإيران، وتصويره وكأنه امتداد لمشروعها السياسي، مع أن الوقائع التاريخية المعلنة لا تؤيد هذا الادعاء.*

*فقد أغلقت الحكومة السودانية في عهد المؤتمر الوطني (٢٠١٦م) السفارة الإيرانية، ولا يزال كما أغلقت المركز الثقافي الإيراني، وأنهت نشاطه بعد اتهامه بممارسة أنشطة دعوية وثقافية هدفت إلى نشر التشيع داخل المجتمع السوداني. وكان ذلك الموقف يعكس رفضًا رسميًا للمشروع الفكري الإيراني، ولم يكن مجرد خلاف سياسي عابر.*

والحقيقة أن الخلاف مع إيران لم يكن في جوهره خلافًا سياسيًا، وإنما كان – ولا يزال – خلافًا عقديًا عند جمهور أهل السنة والجماعة. فمن أشهر النصوص المنسوبة إلى الإمام الخميني في كتاب الحكومة الإسلامية قوله: *”إن للإمام مقامًا محمودًا ودرجة سامية، وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون.” كما جاء فيه أيضًا:* *”إن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب* *ولا نبي مرسل، وقد ورد عنهم: إن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل.”* ويستدل علماء أهل السنة بهذه النصوص في بيان أن تصور الإمامة عند الإمامية يختلف اختلافًا جوهريًا عن مفهوم الإمامة عند أهل السنة.

كما يستشهد علماء أهل السنة بما ورد في بعض المصادر الإمامية من روايات تتناول عددًا من أصحاب رسول الله ﷺ بالنقد الشديد، أو تذكر أن أكثرهم ارتدوا بعد وفاته مع استثناء عدد محدود منهم، ويرون أن هذه الروايات تتعارض مع نصوص القرآن الكريم التي أثنت على المهاجرين والأنصار، قال تعالى: *﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾* [التوبة: 100]. كما يرفض أهل السنة ما ورد في بعض المصادر الإمامية من روايات تتناول أم المؤمنين *عائشة وأم المؤمنين حفصة رضي الله عنهما، لأن القرآن أثبت لهن شرف أمومة المؤمنين، فقال سبحانه: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6].*

لهذه الأسباب كان موقف علماء أهل السنة من المشروع الإيراني قائمًا على أسس عقدية قبل أن يكون قائمًا على اعتبارات سياسية، ولهذا لم يتردد السودان في إنهاء الوجود الثقافي الإيراني داخل البلاد عندما رأى أنه يتعارض مع هوية المجتمع وعقيدته.

لكن *الغريب أن بعض الكُتّاب يقفز من هذا التاريخ إلى نتيجة معاكسة تمامًا، فيتهم السودان اليوم بأنه حليف لإيران أو أنه يتحرك في فلكها، متجاهلًا الوقائع الثابتة. وهذه ليست قراءة موضوعية، وإنما قراءة تحكمها الخصومة السياسية أكثر مما تحكمها الحقائق*.

إن *معارضة الحكومة الحالية حق مكفول، ونقد سياساتها حق مشروع، لكن ذلك لا يبرر تحريف الوقائع، ولا اختلاق اتهامات لا دليل عليها، ولا إلصاق تهم بالدولة السودانية لمجرد الرغبة في إدانة السلطة. فالفرق كبير بين نقد حكومة، وبين تحميل وطن بأكمله تبعات ادعاءات لا تقوم على بينة.*

والأخطر من ذلك أن مثل هذه الاتهامات قد *تمنح القوى الأجنبية ذرائع تستند إليها في تشديد الضغوط على السودان، أو فرض مزيد من العقوبات عليه، أو الإسهام في عزله وخنقه سياسيًا واقتصاديًا. فكم من تقرير أو مقال أو تصريح غير منضبط تحول إلى مادة تستغلها جهات خارجية لتبرير سياسات أضرت بالشعوب أكثر مما أضرت بالحكومات.*

لقد أمرنا الله بالعدل حتى مع من نختلف معهم، فقال سبحانه: *﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾* [المائدة: 8]. فالعدل ليس شعارًا يُرفع مع الموافقين، وإنما مبدأ يُلتزم به مع المخالفين أيضًا.

*إن السودان يستحق أن يُدافع عنه بالحقيقة، وأن يُنتقد بالإنصاف، وأن يُصان من الادعاءات التي لا تستند إلى دليل. فالوطن أكبر من الأحزاب، وأبقى من الحكومات، وأحق بأن يكون محل اتفاق أبنائه، لا ساحةً لتصفية خصوماتهم السياسية.*

‫شاهد أيضًا‬

بين المشروعية الدستورية والضرورة الدستورية… هل يتعارضان أم يتكاملان؟

أثارت المذكرة القانونية التي قدمها البروفيسور ناجي مصطفى، وما أعقبها من قراءة تحليلية للدك…