شرطي النهر
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

منذ آلاف السنين ظل نهر النيل شريان الحياة الممتد عبر القارة، يحمل معه قصص الحضارات وأسرار الطبيعة، وبين أمواجه وضفافه يقف التمساح النيلي شامخاً، ليس مجرد كائن مفترس، بل رمزاً للحكمة البيئية وحارساً للتوازن الطبيعي. إنّه شرطي النهر الذي يفرض النظام في عالم مائي يعج بالحركة والصراع، ويمنح النيل هيبته وخلوده، فهو ليس عدواً للإنسان كما يُصوَّر أحياناً، بل شريك أصيل في دورة حياة النهر، وركيزة من ركائز التنوع البيولوجي الذي يمنح النيل قوته واستمراره.
التمساح النيلي يؤدي أدواراً لا يمكن لأي كائن آخر أن يضطلع بها، فهو المنظف الذي يطهّر مياه النهر من الأسماك المريضة والجيف، مانعاً انتشار الأوبئة وحافظاً على نقاء الماء الذي يشرب منه الإنسان والحيوان، وهو المنظم الذي يضبط أعداد الفرائس فلا يسمح لسمكة أو طائر أن يسيطر على موارد النهر، بل يفرض توازناً صارماً يحمي التنوع البيولوجي، وهو المهندس الذي يحفر أعشاشه في الضفاف فيخلق بركاً صغيرة تحتفظ بالماء في مواسم الجفاف لتصبح ملاذاً للأسماك الصغيرة والطيور والزواحف، ووجوده نفسه علامة صحة إذ إن اختفاءه إنذار مبكر بخلل بيئي أو تلوث يهدد الحياة كلها.
التمساح ليس مجرد حارس بيئي، بل شاهد على التاريخ، فقد قدّسه المصريون القدماء وسمّوه سوبك إله النيل، وفي السودان ارتبط اسمه بالحكايات الشعبية والأساطير التي تناقلتها الأجيال، لقد صمد أمام الفيضانات والجفاف وتغيرات المناخ وظل رمزاً لصلة الإنسان بالنهر، وإبادته اليوم ليست مجرد فقدان كائن حي، بل قطع لجذور ضاربة في عمق التاريخ والهوية.ومع ذلك تتعالى أصوات تدعو إلى إبادته بحجة الخطر على الإنسان، لكن السؤال الجوهري: من سيملأ الفراغ؟ الطبيعة لا تعرف الفراغ، وإذا غاب المفترس الأعلى صعد آخر ليحتل مكانه، وفي شمال السودان بدأ ثعبان الأصلة يظهر بكثافة، وهو مفترس ضخم لكنه لا ينظف النهر كما يفعل التمساح، بل يتكاثر بسرعة ويقترب من مساكن البشر مهدداً البشر نفسهم والاغنام والدواجن والثروة الحيوانية الصغيرة، إننا لا نحل المشكلة بالإبادة بل نستبدل شريكاً قديماً نعرفه ونفهم سلوكه بكائن قد يكون أكثر خطراً على البيئة والمجتمع.
إذاً ماهو الحل؟الحل ليس في الإبادة بل في التعايش، فالتمساح لا يهاجم إلا دفاعاً عن نفسه أو صغاره أو بدافع الجوع، ويمكن للإنسان أن يتفادى خطره بالوعي والحكمة، فالتوعية ضرورية لتعليم المجتمعات أوقات تكاثر التماسيح وأماكن تواجدها، والحواجز الطبيعية يمكن أن تبعد مخلفات الذبح والسمك عن موارد المياه، والمحميات والمراقبة تضمن حماية أماكن التعشيش وتساعد في إدارة الحياة البرية،وعدم الاستحمام في النيل والابتعاد عنه بقدر الإمكان إنّ التمساح النيلي ليس عدواً بل شريكاً أصيلاً في النهر، وحمايته هي حماية للنيل نفسه وللتوازن الذي يحفظ لنا الماء والسمك والحياة.
وإذا وسعنا النظر إلى التنوع البيولوجي في النيل وجدنا أنه قلب النهر النابض، إذ يحتضن أكثر من ثمانمائة نوع من الأسماك إضافة إلى التماسيح والطيور المهاجرة والنباتات المائية، ويضمن استقرار النظام البيئي الذي يعتمد عليه ملايين البشر في الغذاء والماء والزراعة، فالثروة السمكية مصدر غذاء رئيسي، والمفترسات العليا مثل التمساح و سمكة النمر التي تتميز بجسم فضي لامع مخطط بخطوط داكنة، وفم مليء بأسنان طويلة وحادة يمكن أن تصل إلى عدة سنتيمترات، وهي قادرة على تمزيق فرائسها من الأسماك الأخرى بسرعة مذهلة. وجودها في الأنهار يجعلها جزءاً أساسياً من التوازن البيئي، وفرس النهر يضبط نمو النباتات المائية، والطيور المهاجرة تجعل النيل ممراً أساسياً في دورة حياتها، والنباتات المائية مثل البردي والزنابق هي أساس السلسلة الغذائية ومأوى للكائنات الصغيرة، لكن هذا التنوع مهدد بالسدود الكبرى التي غيّرت دورة الفيضان، وبالتلوث الزراعي والصناعي، وبالأنواع الغازية التي تنافس الأنواع الأصلية، وبالتغير المناخي الذي يسبب تقلبات في الأمطار والجفاف.
إنّ الحفاظ على التنوع البيولوجي في النيل ليس ترفاً بل ضرورة وجودية، فهو الضمانة للأمن الغذائي والتوازن البيئي والاقتصاد المحلي والهوية الثقافية، وأي خلل فيه ينعكس مباشرة على الإنسان من الغذاء إلى الصحة إلى الثقافة، لذلك فإن حماية التمساح النيلي هي حماية للنيل نفسه، وإبادته اليوم تعني خللاً بيئياً سندفع ثمنه غداً، وثعبان الأصلة مجرد بداية، أما التعايش فهو الطريق الوحيد للحفاظ على هذا الإرث الطبيعي العظيم.
meehad74@gmail.com
كيف تُدار حل الأزمات؟
*بسم الله الرحمن الرحيم* الأزمات جزء من حياة الأفراد والمجتمعات والدول، ولكن الفارق بين ال…





